أصبح الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني مصدر قلق لقطاع من الحكام وبعض أطراف المعارضة الإيرانية على حد سواء؛ وكأن أي تهدئة في حدة التوترات، أو خوض مفاوضات، أو إبرام وقف لإطلاق النار، ولو كان مؤقتًا، من شأنه أن يعيد إحياء نظام يرزح تحت وطأة أعمق أزمة في تاريخه. بيد أن قراءة محددات المجتمع الإيراني الراهنة بعمق وبعيدًا عن الانفعالات اللحظية، تقودنا حتمًا إلى استنتاجات مغايرة تمامًا.
فمن أي زاوية نظرنا إلى هذه المعادلة المعقدة والمتعددة الأوجه، نجد أن النظام الإيراني لا يملك أي فرصة حقيقية للبقاء؛ فالمسألة غدت مسألة "وقت" ليس إلا، ولأسباب شتى، فإن هذا الوقت لن يكون بعيدًا بأي حال من الأحوال.
إن الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني ليست مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية عابرة، بل هي أزمة ذات طبيعة تاريخية وجودية. فالنظام لا يواجه العقوبات أو الضغوط الخارجية فحسب، بل يصطدم بانهيار كامل لشرعيته وثقة الرأي العام به، فضلاً عن أزمة اجتماعية عاصفة، وفجوة جيلية سحيقة، وإنهاك تاريخي عميق يمر به المجتمع الإيراني بأكمله، والذي يمثل طيفًا متنوعًا من القوميات. إنها فجوة لا يمكن ترميمها بدولارات الطفرة النفطية أو الاتفاقيات المرحلية كما كان يحدث في السابق.
لقد أثبتت تظاهرات شهر كانون الثاني (يناير) 2026 بوضوح جلي أن مصير النظام الإيراني يتحدد في الشوارع والساحات، لا في غرف المفاوضات أو المعادلات الأمنية. كما تظهر تجارب الأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ أن اللحظة الحاسمة تولد عندما يتخذ المجتمع قراره الحاسم، ويرفض مطلقًا تحمل الوضع القائم. وهذا هو التوصيف الدقيق للحالة الثورية الهيولية المهيمنة على المجتمع الإيراني، وإن بدت في الوقت الراهن بمثابة جمر تحت الرماد.
وثمة نقطة جوهرية تستدعي الوقوف عندها لإزالة سوء الفهم السائد بخصوص النظام الإيراني؛ إذ يظن البعض أنه كلما اشتدت الضغوط الخارجية، أو الأزمات الأمنية، أو التوترات العسكرية، تسارعت وتيرة سقوط النظام. في حين أن المجتمع الذي يعيش كل ليلة تحت وطأة القلق المشؤوم، وعدم الاستقرار الاقتصادي، ومناخ الحرب، والإنهاك النفسي المستمر، لا يكون بالضرورة أكثر استعدادًا للنزول المتواصل إلى الشوارع.
وهنا يجب فهم "الشارع" بمعناه الحقيقي؛ إذ إنه الاسم المستعار والمسكوت عنه لدى مسؤولي النظام لانتفاضة الشعب، تلك الانتفاضة التي ستطوي سجل هذا النظام بشكل قطعي ومحتوم. ومن هذا المنطلق، يرى قادة الحكم في الحرب فرصة سانحة وملاذًا يضمن بقاءهم.
فمما لا شك فيه أن الأنظمة الدكتاتورية تجد في مناخ "حالة الطوارئ" بيئة مثالية للسيطرة على المجتمع؛ إذ يتيح الفضاء الأمني توسيع رقعة القمع، وإغراق المجتمع في دوامة الخوف والانشغالات اليومية. فالناس الذين يستبد بهم القلق اليومي على أمنهم، واقتصادهم، ومستقبلهم المعيشي، تتقلص لديهم فرص إعادة بناء العمل الجماعي المقاوم.
وفي عالم السياسة، قد تكون التهدئة المؤقتة أحيانًا جزءًا من استمرار المعركة ذاتها. لذا، فإن التوقف القصير للحرب أو حتى التوصل إلى اتفاق محدود، لا يعني بالضرورة طوق نجاة للنظام، بل قد يشكل حلقة في سلسلة مسار انهياره النهائي. فالمجتمع يحتاج طبيعيًا إلى "متنفس" يعيد من خلاله شحن طاقته الاحتجاجية، ويسترد توازنه النفسي، ويعيد تنظيم صفوفه وتوحيد تحركاته الميدانية.
ولا يفوتنا هنا استحضار حقيقة تاريخية بالغة الأهمية؛ ففي أعقاب المجزرة المروعة التي راح ضحيتها آلاف المتظاهرين خلال يومي 8 و9 كانون الثاني (يناير) 2026، وعرض جثامينهم في أكياس سوداء عبر شاشات التلفزة الحكومية لبث الرعب والترهيب، دخل المجتمع الإيراني الثائر مرحلة باتت فيها القطيعة بين السلطة والشعب غير قابلة للترميم. لم تكن تلك الأيام مجرد احتجاجات شوارع عابرة، بل كانت انعطافة تاريخية وتجاوزًا أبديًا من قِبل قطاع واسع من المجتمع لهذا النظام.
إن الدماء الكثيرة التي أُريقت في شوارع العديد من المدن الإيرانية، غسلت معها آخر ذرات شرعية النظام. قد ينجح النظام الإيراني في كسب بعض الوقت عبر البهلوانية السياسية والمساومات والمفاوضات، لكنه بات عاجزًا تمامًا عن شراء "المستقبل". فأزمات الشرعية، وفقدان الثقة، وانهيار العلاقة مع الجماهير، هي معضلات لا يمكن للاتفاقيات الدولية أن تجد لها حلًا.
ومنذ تلك الانعطافة التاريخية المذكورة، ربما أفلحت أجهزة الحكم في الحفاظ على بقائها المادي ومظهرها الخارجي الذي نخرته الأرضة، لكنها لن تكون قادرة على إصلاح علاقتها بمثل هذا المجتمع. إن النظام الذي يجد نفسه مجبرًا على الاعتماد على القمع الواسع، والمجازر، والاعتقالات، وإشاعة الخوف الدائم للاستمرار في الحياة، قد يصمد برهة من الزمن، لكنه عجز بنيويًا عن إنتاج شرعية مستدامة. هذا هو الانهيار التاريخي الذي يسير بإيقاع وئيد، لكنه حتمي ولا رجعة فيه.
وفي ظل الإدراك التام لهذه المعطيات؛ يخطط وينظم الإيرانيون من أنصار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق، والعديد من الإيرانيين الأحرار التواقين إلى الحرية وإرساء الأمن والاستقرار في وطنهم، لتظاهرة كبرى يوم السبت الموافق 20 حزيران (يونيو) المقبل. وبحسب التقديرات الأولية للجنة المنظمة لهذه التظاهرة العظيمة، سيشارك فيها مئة ألف إيراني ليتحدوا النظام الحاكم بأعلى أصواتهم؛ مطالبين بإسقاطه، وإقامة جمهورية ديمقراطية ترتكز على مشروع المواد العشر للسيدة مريم رجوي ومقررات المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.


