تصريح واحد أعاد فتح ملف شائك لم يُغلق بعد. وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ، قالها صريحة لإندبندنت عربية: "لا أثق في الجمعيات إلا النادر"، و"منذ مجيئي إلى الوزارة لم أعطِ جمعية واحدة مسجدًا"، مؤكدًا أن أي جهة تطلب تبرعات لبناء مسجد في مكة أو غيرها دون موافقات رسمية "ليست صادقة". هذا الموقف لم يكن الأول من نوعه، فقد سبق لمعاليه أن أطلقه قبل عامين، أي في 2025، في إشارة واضحة إلى أزمة ثقة لا تزال قائمة بين جهة رسمية تشرف على بيوت الله، وبين قطاع واسع يجمع التبرعات باسم الخير.
وعلى الجهة المقابلة، خرج مجلس الجمعيات الأهلية ببيان حازم يؤكد أن القطاع غير الربحي يحظى بدعم وتمكين غير مسبوقين من القيادة الرشيدة، ويعمل وفق "منظومة تنظيمية وتشريعية ورقابية متكاملة" تبدأ من التأسيس والترخيص وتمتد إلى الإفصاح المالي والرقابة والامتثال، ويخضع لنظام جمع التبرعات الصادر بالمرسوم الملكي، مشيرًا إلى أن إسهامه تجاوز 70 مليار ريال في الناتج المحلي.
غير أن المفارقة تكمن في أن كلا الموقفين، بالرغم من ما بينهما من تباين، يتحدثان بلغة "النظام" و"الحوكمة" و"الأرقام"، بينما يقف المواطن المحتاج على الهامش يسأل بلغة "الإنسان": إذا كانت الجمعيات هي الملاذ الأخير، فإلى أين أتجه بعد أن تُغلق كل الأبواب في وجهي؟
والحقيقة أن الحديث عن ضوابط الشفافية والحوكمة لم يعد جديدًا، فالجهات المعنية وضعتها منذ سنوات، وأكد عليها المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب الأنظمة، بل في غياب الأثر. فخلال العامين الماضيين ارتفعت النفقات التشغيلية للجمعيات بشكل كبير، وتضخمت مرتبات موظفيها، وتوسعت في افتتاح فروع ومكاتب لتلقي التبرعات، بينما لم تتوسع بالقدر نفسه في خدماتها المباشرة ولا في تسهيل وصول المستفيد إليها، سواء عبر الهاتف أو عبر روابط المواقع.
حتى المستفيد الذي يلجأ إليها للحصول على مساعدة، ينتهي به المطاف بعد شوط طويل من المراجعة و"المرمطة" إلى عبارة واحدة: "الشروط لا تنطبق عليك". هذه التجربة ليست فردية، فقد وثقتها بنفسي قبل ثلاثة أشهر في مقال نشرته بإيلاف عن سيدة مسنّة، أرملة، تعيش وحدها وتستأجر شقة، ينهشها السكر والقلب، وراتب تقاعدها لا يكفي دواءً ولا طعامًا. طرقت أبواب معظم الجمعيات في مدينتها. وفي كل مرة كان الجواب واحدًا: "للأسف، الشروط لا تنطبق عليك"، ثم يُغلق الهاتف. لا توجيه لجهة أخرى. لا نصيحة لتكملة أوراقها. لا كلمة طيبة تخفف مرارة الرفض. فقط "مرفوض".
الأكثر إيلامًا أن هذه القصة ليست استثناءً، بل تتكرر يوميًا بآلاف النسخ. فإذا كانت الجمعيات الخيرية هي "الملاذ الأخير" للمحتاج، فإلى أين يتجه بعد أن تُغلق في وجهه كل الأبواب؟
إن هذه القصة تختزل مفارقة مؤلمة يعيشها القطاع الخيري في عالمنا العربي. فالتقارير غير المنشورة تشير إلى أن نسبة تتراوح بين 30 بالمئة إلى 40 بالمئة من إيرادات الجمعيات تذهب للمصاريف التشغيلية والإدارية: إيجارات مقرات فخمة، ورواتب موظفين إداريين، وفواتير، وحملات تسويق لجمع التبرعات. في الوقت نفسه، يعيش أكثر من 130 مليون عربي تحت خط الفقر.
ادخل إلى مواقع الجمعيات الخيرية أو تطبيقاتها. ستجد نفسك تائهًا في متاهة من الأزرار التي تدعوك للتبرع، قبل أن تتعثر على رابط صغير في زاوية بعيدة يتحدث عن "كيفية الاستفادة من الخدمات". وكأن نصف مهمة الجمعية نُسيت: الوصول إلى المحتاج، لا جمع المال فقط. والمأساة أن معظم من يبحثون عن المساعدة هم من كبار السن والمرضى، الفئات الأقل قدرة على التعامل مع التعقيدات التقنية. يقفون حائرين أمام الشاشات، ولا يجدون سوى طلبات التبرع.
والأغرب أن كثيرًا من هذه الجمعيات لا تنشر أرقامًا واضحة عن إنجازاتها، فلا يعلم أحد كم أسرة استفادت فعلًا، ولا كم مريض عُولج، ولا كم شابًا حصل على وظيفة بسبب برامجها. وهنا يبرز الخلل الأعمق في فلسفة العمل الخيري السائدة لدينا، فهي تركز على "الإغاثة الطارئة": سداد دين عابر، سلة غذاء موسمية، كسوة عيد. هذا النموذج يشبه مسكن الألم، يخفي المرض دون أن يشفيه، لأنه لا يعالج الأسباب الحقيقية للفقر المتمثلة في البطالة وضعف التعليم وغياب التمكين الاقتصادي.
وإلى جانب هذا، تعاني الجمعيات من تضخم إداري واضح، فتجد جمعية متوسطة تحتل مقرًا فاخرًا وتوظف عشرات الإداريين بينما كان يمكن الاعتماد على المتطوعين، وتصر على المعاملات الورقية بالرغم من أن الرقمنة قادرة على خفض التكاليف إلى النصف. كما أن تشتت الجهود يزيد الطين بلة، فعشرات الجمعيات تعمل في الحي الواحد لتقدم الخدمات نفسها، بينما تبقى مناطق نائية بلا أي تغطية.
الأخطر من ذلك كله هو غياب ثقافة قياس الأثر الحقيقي، فالجمعيات تكتفي بإحصاء عدد السلال الموزعة، دون أن تسأل: كم أسرة انتقلت من تلقي المساعدات إلى الإنتاج؟ كم طفلًا أكمل تعليمه بسبب برامجنا؟ إنها تقيس "النشاط" لا "الأثر".
من هنا، فإن الطريق لإعادة بناء الثقة واستعادة الروح للعمل الخيري في السعودية يبدأ بتحول جذري في الفلسفة: من الإغاثة إلى التمكين. أن نقدم للمحتاج تدريبًا مهنيًا أو قرضًا صغيرًا يبدأ به مشروعًا، فهذا أنجع من سلة غذاء تنفد بعد أيام. ويمر بخفض النفقات الإدارية عبر الرقمنة الشاملة والاعتماد على المتطوعين، مع شفافية مطلقة بنشر تقارير دورية واضحة توضح أين يذهب كل ريال.
كما يستلزم تغيير ثقافة التعامل مع المحتاجين، فإذا لم تنطبق الشروط، لا يعني ذلك إغلاق الهاتف في وجهه، بل تقديم خريطة طريق بديلة: توجيهه لجمعية أخرى، مساعدته في استكمال أوراقه، أو على الأقل كلمة طيبة. ويتطلب أيضًا إعادة تصميم المنصات الرقمية لتكون بوابة للمحتاج أولًا، بأزرار واضحة "سجل طلبك الآن" و"الأوراق المطلوبة"، مع تخصيص دعم فني لكبار السن. والأهم هو تغيير مؤشرات النجاح، فلا نكتفي بعدد السلال، بل نقيس كم أسرة انتقلت من الفقر إلى الاكتفاء، وكم شاب توظف بعد التدريب. وأخيرًا، إحياء نظام الوقف الإنتاجي عبر تشجيع أوقاف من عقارات وأراض وأسهم يذهب ريعها لتمويل الأنشطة المستمرة.
والعالم قدم لنا نماذج ناجحة تثبت أن التغيير ممكن إذا امتلكنا الجرأة. في بنغلاديش، بدأ البروفيسور محمد يونس بـ26 دولارًا أقرضها لـ42 امرأة لشراء خامات الحصير. تلك كانت شرارة بنك غرامين الذي تبلغ قيمته اليوم 2 مليار دولار ويخدم 2.3 مليون مقترض، 94 بالمئة منهم نساء. الفكرة بسيطة: قروض صغيرة دون ضمانات لتبدأ المرأة مشروعها، والنتيجة أن 97 بالمئة يسددن بانتظام. حصل على جائزة نوبل للسلام 2006.
وفي بريطانيا، افتتح زوجان أول بنك طعام في حديقة منزلهما عام 2000 بعد مكالمة من أم جائعة. اليوم تحولت مبادرتهما Trussell Trust إلى 1400 بنك طعام يديره 36 ألف متطوع، مما قلص المصاريف الإدارية إلى أدنى حد وأوصل المساعدات بكفاءة. وفي تركيا، تمتلك منظمة Ataa في غازي عنتاب أراضي زراعية تزرع الفستق، وريعها يمول أنشطتها. هذا هو "الوقف الإنتاجي" الذي يضمن الاستدامة ويحرر الجمعية من تقلبات التبرعات.
حتى في كندا، حوّل برنامج Community Futures ست منظمات غير ربحية إلى مشاريع تجارية اجتماعية حققت إيرادات 1.4 مليون دولار في عام واحد، مثل مزرعة تبيع الخضروات وتتبرع بأرباحها. الدرس المشترك: الجمعية الخيرية يمكن أن تكون "منتجة" لا "مستهلكة" فقط للتبرعات. لكن علينا الحذر من ظاهرة "grant-preneurship" التي حذر منها خبراء في الأردن، حيث تتحول المؤسسات إلى آلات لاصطياد المنح وفق أولويات المانحين بدلًا من التركيز على رسالتها الاجتماعية.
القطاع غير الربحي في السعودية شريك تنموي مهم، ولا أحد ينكر ما حققه من نمو ليصل إسهامه إلى 70 مليار ريال في الناتج المحلي. لكن هذه الشراكة لن تكتمل ما لم يشعر المحتاج الحقيقي أن هذا القطاع وُجد لأجله. السيدة المسنّة التي طرقت كل الأبواب لم تكن تحتاج سلة غذاء فقط. كانت تحتاج سكنًا آمنًا، وعلاجًا، وكرامة إنسانية، ومن يسمعها بإنسانية. لو أن جمعياتنا الخيرية قدمت لها ذلك، أو على الأقل وجهتها للجهة المناسبة، لكانت اليوم تشعر أن المجتمع لم يتخل عنها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نثق بالجمعيات أم لا؟ بل: كيف نصنع جمعيات يثق بها المحتاج قبل أن يثق بها المانح؟ فالمجتمع المنتج حقًا هو المجتمع المتكافل، والجمعيات يمكن أن تكون قاطرة التنمية إذا امتلكت الجرأة على التغيير والحكمة في استلهام النماذج الناجحة والإخلاص في تحقيق رسالتها الإنسانية. وإذا كانت الجمعيات الخيرية هي الملاذ الأخير للمحتاج، فإلى أين يتجه بعد أن تُغلق في وجهه كل الأبواب؟

