: آخر تحديث

​​​​​​​ورطة ترامب: الهروب إلى "الإبراهيمية" الموسعة

1
2
2

في خطوة أثارت الكثير من الدهشة في الأوساط السياسية الدولية، اختار الرئيس دونالد ترامب ذروة الانسداد السياسي مع طهران ليوجه دعوة علنية ومفاجئة إلى قوى إقليمية مهمة، في مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر وباكستان وتركيا، للانضمام الفوري إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية" وتطبيع العلاقات مع إسرائيل كجزء من تسوية أوسع تشمل التوصل إلى اتفاق مع إيران.

هذا التوقيت الغريب يحمل في طياته دلالات جيوستراتيجية عميقة، ويتطلب قراءة متأنية لدوافع هذا التحول المفاجئ في سياق الأزمة الراهنة، خاصة بالنظر إلى طبيعة النظام الإيراني الذي يمثل تاريخيًا دولة مارقة تخرق القانون الدولي باستمرار، وتستند إلى أيديولوجية تصدير الثورة ورعاية الإرهاب في المنطقة، مما جعلها مصدرًا دائمًا لتهديد الملاحة وضرب سيادة الدول العربية عبر شبكاتها وميليشياتها المسلحة.

تكمن القراءة الأولى لهذا التحول الأميركي في رغبة واشنطن الملحة في البحث عن مخرج سياسي وتغطية إقليمية موازية لنتائج مواجهتها مع هذا النظام؛ فبعد أن اصطدمت الآلة العسكرية الأميركية بتعقيدات ميدانية بالغة الحرج، أبرزها معضلة إغلاق مضيق هرمز وتبعاتها القاسية على أمن الطاقة العالمي، أدركت إدارة ترامب أن احتواء الخطر الإيراني وإنهاء سلوكه المزعزع للاستقرار عبر القوة الخشنة المنفردة بات أمرًا متعذرًا، وأن أي تسوية ثنائية محتملة لتأمين الممرات المائية قد تبدو في نظر النخب الأميركية وإسرائيل بمثابة تراجع سياسي أمام طهران.

من هنا، يحاول ترامب تحويل مسار التهدئة الجارية من اتفاق اضطراري لإعادة فتح المضائق إلى حدث تاريخي أوسع يعيد هندسة العلاقات في الشرق الأوسط، مستخدمًا مظلة الاتفاقيات الإبراهيمية كأداة لشراء الوقت وتأطير التسوية القادمة في قالب تظهر فيه واشنطن بمظهر صانع السلام الشامل، بدلًا من الطرف المجبر على التهدئة مع دولة لا تزال تمارس الابتزاز الدولي.

أما البُعد الثاني لهذه المناورة، فيتعلق برغبة واشنطن في تصدير كلفة الاستقرار المستقبلي ومشاركة أعباء مواجهة الإرهاب الإيراني مع دول المنطقة؛ فمن خلال محاولة إطلاق مسار التطبيع بشكل جماعي ومتزامن ليشمل عواصم ذات ثقل ديني وسياسي واستراتيجي كالمملكة العربية السعودية، أو وسيط موثوق كقطر، أو قوة نووية كباكستان، يسعى ترامب إلى بناء جبهة إقليمية موسعة تحمي إسرائيل وتضمن دمجها في نسيج المنطقة، وفي الوقت ذاته، تضع هذه القوى أمام مسؤولية مباشرة لضمان نجاح أي ترتيبات أمنية قادمة مع طهران.

هذا الربط الاشتراطي الذي وضعه ترامب حين اعتبر الانضمام إلى الاتفاقيات أمرًا إلزاميًا كجزء من تفاصيل الصفقة، يعكس عقلية صفقات الأعمال التي تحاول فرض شروط قاسية لتعظيم المكاسب السياسية في ربع الساعة الأخير، متناسيًا أن مواجهة الفوضى الإيرانية تتطلب حلولًا جذرية لا مجرد صفقات دبلوماسية سريعة.

ومع ذلك، يصطدم هذا المسار الأميركي بحائط الممانعة الواقعية وحسابات السيادة لدى دول المنطقة؛ فعواصم القرار وفي مقدمتها الرياض، تمتلك رؤية استراتيجية واضحة ومستقلة، ترفض بوضوح مبدأ الإملاءات أو اختزال ملفات المنطقة المعقدة في سياق الدعاية السياسية أو المصالح الضيقة.

إن الموقف الخليجي الثابت يدرك تمامًا أن الاستقرار المستدام لا ينبع من قفزات دبلوماسية تتجاهل الحقوق المشروعة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما يدرك أن زج أسماء دول مثل باكستان وقطر في هذه الدعوة يعكس حالة من محاولة خلط الأوراق للهروب من استحقاقات التراجع التكتيكي في إدارة الحرب، فالخطر الإيراني وتمدده الأيديولوجي وتصديره للعنف لا يمكن معالجته عبر إقحام حلفاء واشنطن في مسارات تطبيع قسرية لا تخدم سوى الأجندة الإسرائيلية.

ومن هنا، يغدو من المتعذر قراءة هذه الدعوة في هذا التوقيت إلا كاعتراف غير مباشر بنهاية الأفق الاستراتيجي للمواجهة العسكرية، ومحاولة للتعويض عن التراجعات الميدانية بفتح مسارات سياسية فضفاضة. ولهذا، تحاول واشنطن تحويل أزمة الحصار وإغلاق الممرات المائية إلى مكسب دائم يعيد تشكيل توازنات المنطقة، لكنها حسابات تقفز فوق قواعد الجغرافيا السياسية ولا تراعي الحسابات الاستراتيجية لعواصم إقليمية ذات سيادة ولها ثقلها المستقل، دون تقديم أي ضمانات حقيقية لردع طهران عن خرق القوانين الدولية والكف عن تصدير الإرهاب في المنطقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.