أنا لستُ أكفُرُ بالصحارى ،
لا أراها محضَ رملٍ مالئٍ كلَّ المدى ،
لكنّهُ عشبٌ أحبَّ بأن يسافرَ ثُمَّ طالَ بهِ السفرْ ،
أنا لا أُعيِّرُ نبتةَ الصَّبَّارِ بالأشواكِ ،
فالأشواكُ فيها ربّما كانَتْ وروداً خانَها ذاكَ المطرْ ،
أنا لا أقولُ أرى سراباً كاذباً ،
لكنّهُ ماءٌ يحاولُ أن يكونَ فما استقَرْ ،
***
إنّا وُلِدْنا في بيوتٍ مُعشِبَةْ ،
وجذورُها تمتدُّ في الصحراءِ ،
تمتصُّ العذوبةَ من نُضارِ الأتربةْ ،
***
ظِلٌّ لقافلةِ الجِّمالِ كخيطِ نملٍ يعبُرُ الأُخدودَ في حَرِّ الهجيرِ ،
وثَمَّ بئرٌ عُطِّلَتْ ،
قالَ الغريبُ بأنّهُ يوماً رأى قمراً بهذي البئرِ ينزِلُ ،
في حبالٍ من ضياءٍ ،
والجماجمُ مخبأٌ للريحِ تَصْفِرُ ،
***
كلَّما صَعُبَ السؤالُ ولفّني قلقُ الوجودِ ،
وجدتُ أجوبتي بصحراءِ العربْ ،
صمتُ الفيافي علّمَ القلبَ السماعَ إلى حسيسِ النارِ في لغةِ الحطبْ ،
لي حفنةُ الرملِ التي لو أنّهم وزنوا بها كلَّ الذهبْ ،
ما أسقطَتْها الكفُّ منّي ،
***
أيُّها المُخْضَلُّ ،
إنّ الليلَ في الصحراءِ يُولَدُ من حكايا البدوِ ،
من سمَرِ الربابةِ ،
من فناجينِ السُّهادِ ،
ومن تذكُّرِ ظبيةٍ تلهو بقلبِكَ ،
والنجومُ تكونَ أقربَ في الصحارى فالتمسْها وانجذبْ ،
***
والريحُ تسخَرُ من خُطانا في الرمالِ ،
فحيثُما قدمٌ مشَتْ محت الرياحُ ،
فنحنُ أشباحٌ بلا أثرٍ وأرواحٌ تكابدُ محنتينِ منَ الزوالِ ،
زوالِ تربتِنا وخيمتِنا التي كانت مجرّةْ ،
رغمَ العراءِ فنحنُ كنّا في مسرّةْ ،
***
هذا السَّنامُ يشابهُ الكُثبانَ في تشكيلِهِ ،
ولذا الجِّمالُ تَخُبُّ فيها الأرضُ دونَ مشقّةٍ ،
والبوصلاتُ تعطَّلَتْ لكنَّ ناقتَنا ستعرِفُ دربَها ،
فالنُّوقُ تعرِفُ أُمَّها ،
أنا لا أرى الصحراءَ رملاً كرّرتْهُ لنا المرايا ،
بل أرى خطّاً نحيلاً في المدى ،
بيضاءُ تلكَ الشمسُ ،
مُنخفِضٌ عَمودُ الزئبقِ ،
الجدرانُ ليسَ بها اكتئابٌ ،
زُرقةٌ ،
مِلحٌ من الشهواتِ ،
أستلقي ،
أكونُ أنا حصاةً في نُهيرٍ ،
ما وُلِدتُ ولن أموتَ ،
وإنني جوفاءُ ذاكرتي ،
المَراوِحُ في الأكفِّ ،
مُباركٌ طولُ النهارِ ،
مبارَكٌ نجمٌ سيَغمَقُ ،
يا كراتِ الشوكِ كنتِ القُطنَ يوماً ،
لن ألومَكِ ،
مرحباً بجوافلِ الحشراتِ ،
بالنَّفَسِ الثقيلِ ،
وبالرطوبةِ مِخلباً أو عُقدةً ،
للصيفِ فاكهةُ الجسدْ ،
الحقلُ أجردُ ،
والغبارُ على الحدودِ ،
مدارسُ الأشباحِ ،
طائرةٌ بأعوادِ المكانسِ ،
أيُّها المِقلاعُ إنّي حصوةٌ ،
فلْتقذِفنِّي عالياً ،
لِأصيبَ من كَبِدِ الغيومِ غزالةَ الرؤيا ،
أبٌ للمُعدَمينَ ،
تشابهت أيامُنا مثلَ المياهِ ،
أنا الغريبُ كقالبِ الكعكِ الذي رفعوا الغطاءَ فكانَ منقوصاً ،
أرى الأشجارَ ثابتةً وتبتعثُ الظِّلالَ إلى جداري ،
والزجاجُ مُعشَّقٌ أنا لا أراكَ ،
ولستُ أكفُرُ بالصحارى ،


