: آخر تحديث

زمن تاتشر وزمن ستارمر... إنه عالم غريب حقاً!

16
25
37

ما أشبه ظروف تنحّي مارغريت تاتشر عن رئاسة الحكومة البريطانية قبل نحو 36 عاماً بظروف تنحّي كير ستارمر يوم الاثنين الماضي. فكلاهما أطاحه أقرب المقرّبين إليه.فكما أجبر وزراء ونواب حزب المحافظين تاتشر على الرحيل سنة 1990 خوفاً من خسارة الانتخابات العامة، رأى كثير من نظرائهم العماليين أن بقاء ستارمر يضعف فرص الحزب في المستقبل. وفي كلتا الحالتين، لم تكن المشكلة مجرد هزيمة محتملة في انتخابات عامة، بل فقدان الثقة داخل الحزب الحاكم نفسه.أمضت تاتشر 11 عاماً ونصف العام في الحكم، قبل أن تغادره في مشهد درامي عام 1990، بعدما انقلب عليها أقرب المقرّبين داخل حزب المحافظين، وفي مقدمتهم جيفري هاو، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق، ومايكل هيزلتاين وزير الدفاع  السابق الذي ترشّح لمنافستها على زعامة الحزب.لم يشفع لتاتشر أنها كانت توصف بـ"المرأة الحديدية"، وفوزها في ثلاثة انتخابات عامة متتالية (1979 و1983 و1987)، ولا انتصارها في حرب جزر المالوين (فوكلاند) ضد الأرجنتين، ولا دورها في قيام التحالف الدولي الذي أخرج القوات العراقية من الكويت.أما ستارمر، فقد أنهى ولايته بعد أقل من عامين على الفوز الكاسح الذي حققه حزبه في انتخابات 2024.ورغم تأكيده أنه سيقاوم أي محاولة للإطاحة به، فإنه اضطر في النهاية إلى الرحيل، لاسيما بعدما أبلغه عدد من كبار وزرائه، من بينهم وزيرة الخارجية إيفيت كوبر ووزير الطاقة إد ميليباند، بضرورة التنحي. كما دعاه إلى الاستقالة أكثر من 100 نائب من أصل 403 من نواب حزبه .

في أواخر الثمانينيات، بدأت شعبية تاتشر تتراجع بشدة بسبب الغضب الشعبي الواسع من «ضريبة الرأس» (Poll Tax)، التي أدت إلى احتجاجات وأعمال شغب.كما عرف حزب المحافظين آنذاك خلافات حادة حول أوروبا ومستقبل العلاقة معها . 

وأظهرت استطلاعات الرأي أن تراجع الشعبية لم يقتصر على تاتشر وحدها، بل طال الحزب بأكمله. وبذلك ازدادت المخاوف من خسارة الانتخابات المقبلة ، وساد اعتقاد بأن حزب المحافظين يحتاج إلى وجه جديد لإنقاذ مستقبله الانتخابي.

غادرت تاتشر مقر «10 داونينغ ستريت» للمرة الأخيرة يوم 28 نوفمبر 1990. وبكت بحرقة وهي تستقل سيارتها الرسمية. لقد شعرت بخذلان زملائها وتخليهم عنها في اللحظة الحاسمة،

لكن المفارقة أن خليفتها جون ميجر تمكن، بعد أقل من عامين، من قيادة الحزب  إلى الفوز في انتخابات عام 1992، وهو ما عزز قناعة كثير من قادته آنذاك بأن رحيل تاتشر كان ضرورياً للحفاظ على السلطة،وأن مخاوفهم كانت في محلها.

لخصت  تاتشر مأساتها السياسية بقولها: «إنه عالم غريب حقاً»، في إشارة إلى أن الحزب الذي أوصلته إلى ذروة السلطة هو نفسه الذي أبعدها عنها .

أما بالنسبة لستارمر، فقد تعددت أسباب رحيله. أولها تراجع شعبية حزب العمال، في وقت حقق فيه حزب «ريفورم يو كي» اليميني، بقيادة نايجل فاراج، تقدماً لافتاً في استطلاعات الرأي والانتخابات المحلية الأخيرة التي جرت في مايو الماضي.كما شهد حزب العمال تمرداً داخلياً متزايداً، وزاد التشكيك في قدرة ستارمر على قيادة الحزب نحو فوز جديد. وتكاثرت الضغوط عليه بعد النتائج المخيبة للآمال في الانتخابات المحلية،وتعالت الدعوات الداخلية إلى تجديد قيادة الحزب بسبب ما اعتبره منتقدوه غياباً للرؤية السياسية الواضحة لديه. 

وزاد الطين بلة تعيين ستارمر لبيتر ماندلسون، الوزير البارز في حكومة توني بلير، سفيراً لدى واشنطن ، الى جانب انتقادات أخرى . 

وجاءت الضربة الأخيرة مع بروز منافس قوي لستارمر داخل الحزب،هو الوزير السابق آندي بورنهام، الذي مهد فوزه الأخير في انتخابات نيابية فرعية الطريق أمامه للوصول إلى رئاسة الحكومة.

وإذا كانت "التاتشرية" قد انتهت برحيل تاتشر عن الحكومة، فإنها استمرت في بريطانيا كنهج سياسي واقتصادي .إذ لا يمكن إنكار التحول العميق الذي أحدثته تاتشر في الاقتصاد البريطاني من خلال الخصخصة الواسعة للمؤسسات العامة، وكبح نفوذ النقابات العمالية، وتعزيز اقتصاد السوق، وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتشجيع تملك المساكن والأسهم.

لقد ظلت هذه السياسات قائمة بعد رحيلها، وأصبح كثير منها جزءاً من الإجماع السياسي البريطاني. بل إن حزب العمال، عندما وصل إلى السلطة عام 1997، تبنى العديد من أفكارها ولم يعد إلى سياسات التأميم والاقتصاد الموجه، إلى درجة أن ماندلسون قال آنذاك عبارته الشهيرة: «كلنا تاتشريون الآن».

لكن ماذا عن «الستارمرية»، إن وُجدت ؟ إنها مجرد نسيم انتخابي منعش هبّ على بريطانيا لبرهة من الزمن ، ثم نضب من دون أن يترك أثراً يذكر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد