: آخر تحديث

بصيرة ساراماغو

2
2
2

كنت قد ترجمت قصة قصيرة لساراماغو نشرتها مجلة نزوى في التسعينات، كان ذلك قبل أن أترك الترجمة وقبل أن أدرك أن الترجمة من لغة وسيطة خيانة مرتين للنص، لا أؤمن تماما بذلك، لأنني قرأت مرات نصوصاً ترجمتها من الإنجليزية وترجمها آخرون من لغتها الأصل، ولم أجد فارقا يذكر في المعنى، وانحزت مرات للغتي الأدبية لقاء طريقة الآخرين في الترجمة، أعود للحديث عن ساراماغو، البرتغالي الذي حاز على جائزة نوبل عام 1998، والذي تعلقت بأدبه منذ ترجمت قصته تلك، شكرا لفائز أبا الذي دلني عليه والذي طلب مني ترجمة تلك القصة.

في تلك القصة وفي سائر كتابته، لساراماغو تلك الخاصية التي تميزه، حيث يكتب الحوار متصلا بسطور القصة، وأحيانا لا يخبرك من الذي يتحدث، وأنت تفهم من خلال الحديث من يرد على من، مسألة مربكة أحيانا لكنها تحفز الدماغ على المتابعة والتفكير، من ميزاته أيضا خفة الدم، التلقائية والبساطة، يمتعك حين تقرأ باللماحية الشديدة لشخصيّاته. باختصار، من أمتع الأمور التي يمكن أن تقضي فيها وقتك، قراءة رواية لساراماغو.

قبل سنين طويلة قرأت العمى، أعتقد أنها روايته الأكثر شهرة، وساراماغو من الكتاب الذين أحرص على قراءة كل ما كتبوا، مثل أمين معلوف، كونديرا، ماركيز، حنان الشيخ، يوسف إدريس، هذه أمثلة وليست قائمتي الكاملة، لذلك حين عثرت على هذه الرواية التي لم أقرأها بعد لساراماغو، شعرت بفرحة غامرة، لأنني أعرف مقدار المتعة التي سأحصل عليها، رواية البصيرة، كتبت في العام 2004. وهي تتحدث عن ذات المدينة التي حدث فيها العمى، بالرغم من أنني قرأت العمى قبل عشرين سنة، لكنني أدركت فوراً أن البصيرة تتحدث عن ذات الأشخاص، المدينة بعد أربع سنوات من حادثة العمى، وعلى الرغم من أسلوب ساراماغو الساخر، لكن الرواية قاتمة، وهي كذلك لأنها أيضا تكشف بشكل غير مباشر عن كيف تسير الأمور في العالم، الرمز في هذه الرواية أقل، والبيروقراطية، وكيف تتحرك السلطة حين تعتقد أنها تواجه تهديدا مجهول المصدر، والأمل الذي يبعثه بشكل غير محسوس من خلال الأشخاص الذين يبصرون، لأول مرة، ليس من العمى أفاقوا، ولكنها البصيرة التي كانت غائبة.

المدينة التي يقرر أغلب الناس فيها بالتصويت الأبيض، احتجاجاً على حكومة لا تناسبهم، وعلى الخيارات الأخرى كذلك، لا يمتنعون عن التصويت، هم يذهبون إلى مراكز التصويت كي يضعوا كرتا أبيض، هذا هو احتجاجهم، ومن هنا يأتي التهديد، من الرفض الصامت.. اقرأوا ساراماغو، أضيفوا بصيرة إلى بصائركم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد