: آخر تحديث

التواصل العلمي

8
5
4

قبل أيام فرغت من كتاب "ألف للزرنيخ، سموم أجاثا كريستي"، للكيميائية والكاتبة البريطانية "كاثرين هاركَب"، التي عادت إلى روايات كريستي ليس بوصفها ناقدة أدبية، بل كيميائية تبحث في السموم التي قتلت بها أشهر مؤلفة روايات بولسيه أبطالها! تشرح ماذا يفعل السيانيد بالجسد، وكيف يعمل الزرنيخ، ولماذا اختارت سُمًّا دون غيره!

"أجاثا كريستي" عملت ممرضة ومساعد صيدلي خلال الحربين العالميتين، واكتسبت معرفة واسعة بالأدوية والمواد الكيميائية، مما مكنّها من اختيار نوع السم المناسب لكل رواية، أما الكيميائية "هاركَب" فاختارت أربعة عشر سمًا وردت في أربع عشرة رواية، وحوّلتها إلى رحلة ممتعة بين الأدب والكيمياء، وبين التاريخ والجريمة، وكتابها يكاد يكون نموذجًا رائعًا لما يسمى بــ"التواصل العلمي".

لن أدخل في تعريف المصطلح، لكنه ببساطة القدرة على إخراج العلم من قوقعته، وإيصاله دون أن يفقد دقته بلغة مفهوم وممتعة، وهو ليس تبسيطًا يجعل العلم سطحيًا، وإنما ترجمة للمعرفة من لغة المتخصص إلى لغة الإنسان العادي، والمثير أن منشأ "التواصل العلمي" أقدم من المصطلح نفسه! فمنذ القرن التاسع عشر كانت المحاضرات العلمية العامة والمعارض وسيلة لتقريب الاكتشافات للجماهير، ثم تطوّرت الفكرة ونضجت، وصارت علمًا مستقلاً بذاته ضمن فروع التواصل، فالجمهور يحتاج المعلومة والمعرفة، وتحوّل من "فهم الجمهور للعلوم"، إلى "تفاعل الجمهور مع العلوم"، وهو بالتأكيد الهدف الأسمى.

تتعدد اليوم قوالب "التواصل العلمي"، من المقال الصحفي والبودكاست، مرورا بالشريط التسجيلي والمتاحف التفاعلية، والمحاضرات العامة، والرسوم المعلوماتية، والرواية والقصة، وحتى الكوميديا والألعاب، فقد يكون الفيلم أسهل مدخل إلى الفيزياء، والرواية إلى علم النفس، وجريمة غامضة إلى الكيمياء، كما فعلت "هاركَب" مع روايات أجاثا كريستي!

هناك العديد من النماذج المعاصرة الناجحة، منها "كارل ساغان" وبرنامجه الفلكي الشهير، أو "ديفيد أتينبورو" مبدع برامج الطبيعة، أو "نيل تاسيون" أشهر وجوه الفيزياء والفلك، وعربياً برنامج "العلم والإيمان" للدكتور مصطفى محمود، ومؤخراً "أحمد الغندور" في برنامجه اليوتيوبي "الدحيح"، الذين نجحوا في عرض القصة قبل المعلومة.

غير أن "التواصل العلمي" في العالم العربي لا يزال في بدايته، رغم وجود الكثير من المبدعين من علماء وباحثي الجامعات والمركز البحثية، وهناك فجوة بين ما ينجز داخل المعمل وما يصل إلى الجمهور اتصالياً، ناهيك عن تحدي اللغة العربية، التي ابعدناها عن ترجمة ونقل العلوم، وقد تكون البداية بإضافة مهارات التواصل العلمي ضمن تدريب الباحثين، وتشجيع الجامعات على مكافأة العالم الأفضل تواصلاً مع المجتمع، والاستثمار في المحتوى العلمي القصير، وربط العلوم بما يحبه الناس: التاريخ، والطعام، والرياضة، والجريمة، والسينما، والسفر، وحتى الأدب.

عبقرية "التواصل العلمي" تكمن أن تعرف ما يهم الجمهور وما يبحث عنه من معرفة وعلوم، ثم تأخذ العلم نحوهم! وهذا ما حدث في روايات "أجاثا كريستي"، فالطفل الذي لا يهتم بالكيمياء؛ ربما يهتم بالسم الذي قتل إحدى شخصياتها، ومن هناك تبدأ الحكاية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد