إهداء إلى مروان ياسين الدليمي
مطرٌ يهطل على أربيل بكثافةٍ تُربك الحواس، حتى يبدو كأنه يصعد بقدر ما ينزل، يرتدّ من الأرض محمولًا برجفة الانفجارات، فيختلط الاتجاه، وتذوب المسافة بين السماء وما تحتها. في النهار كما في الليل، يحمل هذا المطر توترًا خفيًا، كأنه يترجم ما يجري بلغة الماء، فيغدو السقوط متواصلًا، كثيفًا، ومشبعًا بما تخفيه السماء.
أربيل كما لو أنها قريبة إلى حدّ اللمس. مدينة تُعرف بأصواتها، بنوافذها التي تبقى مضاءة، وببيوتها التي تنصت لما يدور حولها وفي داخلها. في الليل، تخفّ المدينة من نفسها، تنزع طبقاتها واحدةً تلو الأخرى، حتى يبقى الضوء الخافت، والصمت الذي يشبه الإصغاء، وانتظارٌ معلّق بين لحظتين.
تحت هذا المطر، تميل السماء نحو المدينة بثقلٍ محسوس. ما يأتي منها يصل فجأة، ويترك أثره في الهواء والجدران، وفي التفاصيل التي تبدو بعيدة، ثم تكشف صلتها به.
هناك، في العلوّ، تمرّ أشياء تشبه الطيور في شكلها، وتخونها نواياها. أجنحتها من معدنٍ أعمى، وعيونها باردة، لا ترى سوى ما وُجّهت إليه. تحوم كأنها تبحث، وتنقضّ كفكرة خبيثة.
ليست من هذا الهواء، ولا تعرف شيئًا عن البيوت التي تمرّ فوقها، ولا عن الأسماء التي تسكنها. تترك وراءها خطًا في السماء، كجرحٍ سريع، ثم تختفي، كأنها لم تكن سوى ومضةٍ.
كل شيء هنا متصل بما يحدث في الأعلى، حتى الفناءات الصغيرة، حتى الزوايا التي تبدو خارج المشهد.
فيما مضى، وهو ليس ببعيد، في فناءٍ صغير قريب من المطبخ، اختارت حمامة زاوية ضيقة لتبني عشّها. كان المكان محدودًا، ومع ذلك منحها ما يكفي لتبدأ. جلست فوق بيضها بصبرٍ غريزي، كأن العالم كله قد انكمش داخل هذا الدفء الصغير، وكأن ما حولها يتراجع كلما اقتربت منه أكثر. لم تكن تعرف شيئًا عن القصف، ولا عن المدن حين تتحول إلى أهداف، ولا عن الخرائط التي تُرسم من بعيد. كانت تفعل ما تفعله الحياة حين تُمنح فرصة، مهما كانت ضئيلة.
كان مروان يمرّ قربها بحذر، يخفف خطواته، ويترك لحركته وزنًا أخفّ. صار وجوده جزءًا من إيقاع العشّ، يراقب الزاوية بعينٍ يقظة، ويطرد القطط كلما اقتربت. في داخله، كانت فكرة صغيرة تنمو: أن ترتيب هذا التفصيل الهشّ يمنح العالم شكلًا يمكن احتماله، وأن الحراسة، مهما كانت محدودة، تفتح فجوة في جدار الفوضى.
في الليل، حين يهدأ الصوت قليلًا، كان يقترب أكثر. ينظر إلى البيض كما لو أنه ينظر إلى وعدٍ شخصي، إلى شيء يمكن أن ينجو رغم كل ما يسقط من السماء. كانت الحمامة تراقبه بحذرٍ أول الأمر، ثم اعتادت حضوره، كأنها قبلت به حارسًا صامتًا، شريكًا في هذه المهمة الدقيقة: أن تبقى الحياة ممكنة، ولو في زاوية ضيقة من فناء بيت.
ومع الأيام، صار العش جزءًا من إيقاع المكان. حضور خفيف، لكنه واضح، يمنح البيت زمنًا مختلفًا، أبطأ، أقرب إلى اليد والنظر. في الخارج، كان المطر يهطل بلا انقطاع، ترتجف قطراته في الهواء كأنها تحمل صدى ما يمرّ فوقها، ويتحوّل السقوط إلى إيقاعٍ واحد بين السماء والأرض. في الداخل، كان هناك انتظار آخر، هادئ، ينمو بصمت داخل قشرة رقيقة.
ثم جاء يوم بدا عاديًا أكثر مما ينبغي. سكونٌ خفيف، نهار يشبه ما سبقه. انقضّت القطط بسرعةٍ حاسمة، حدث كل شيء في لحظة قصيرة، لا تُرى إلا بعد انتهائها. حين وصل مروان، كانت الزاوية قد تغيّرت، فقدت ما كان يمنحها معناها، وبقيت تحمل أثرًا خفيًا.
في تلك اللحظة، شعر بأن شيئًا دقيقًا قد انطفأ في داخله. فكرة صغيرة كانت تمنحه توازنًا خفيفًا، ثم غابت. تلك الفكرة التي تقول إن الانتباه يكفي أحيانًا، وإن الحرص قد يصنع فرقًا، وإن ما هو هشّ يمكن أن يُحاط بعناية تحميه.
الحمامة لم تعد تستقر هناك. كانت تحوم أحيانًا، ثم تختفي. الزاوية بقيت، لكنها تغيّرت في إحساسها. اتسعت قليلًا، بردت، وصارت تحتفظ بصمتٍ أثقل، كأن الغياب نفسه يترك أثرًا ملموسًا.
في الليل التالي، بدت أربيل كما تُرى من بعيد: أضواء متفرقة، مطر مستمر، وسماء قريبة أكثر مما يجب. وفي العلوّ، مرّت تلك الكائنات المعدنية مرة أخرى، لا تسمع نداء البيوت، ولا ترى ارتعاشة الضوء في النوافذ. تتابع طريقها كما لو أن المدينة مجرد فراغٍ في مسارها، ثم تترك وراءها أثرًا يهبط متأخرًا، كأن السماء تتذكر فجأة ما حملته.
غير أن المدينة، من داخل هذا الفناء، بدت مختلفة. كل ما يحدث في الأعلى يجد صداه هنا. أربيل كما لو أنها بيت، كما لو أن كل زاوية فيها تعرف ما جرى وتحتفظ به. المدينة تُرى من داخل تفاصيلها، من عشٍّ كان هنا، من يدٍ حاولت أن تحميه، ومن مطرٍ يواصل الهطول، صاعدًا ونازلًا، كأنه يكتب حكاية لا تنتهي.
وهكذا تمضي الليالي. يبقى المطر، وتبقى أربيل، مأهولة بما يحيا. ويبقى مروان واقفًا أمام زاوية يعرف أنها كانت، لوقتٍ قصير، عالمًا كاملًا…


