إيلاف من مراكش: بعد عامٍ على رحيل محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب السابق ومؤسس منتدى أصيلة ، لا يبدو السؤال ثقافيًا فحسب، بل مؤسساتيًا أيضًا: ماذا يبقى من رجلٍ حين يغيب؟
مؤسسة منتدى أصيلة انجزت فيلما وثائقيا بعنوان “محمد بن عيسى… حديث لن يكتمل” يقدّم مدخلًا إنسانيًا لمسارٍ متعدد الأبعاد؛ فهو لا يكتفي باستعادة طفولته ودراسته وتجربته الدبلوماسية، بل يضع المشاهد أمام الفكرة المركزية في حياته: الثقافة باعتبارها سياسةً ناعمة ورهانًا استراتيجيًا.
على امتداد 12 دقيقة، يمزج العمل بين شهادة الراوي وصوت الراحل بن عيسى نفسه، في سردٍ يربط بين التجربة الدولية والعودة الواعية إلى أصيلة سنة 1976 لتأسيس منتدى أصيلة عام1978 . هنا يتحول الوثائقي من سيرة شخصية إلى وثيقة سياسية–ثقافية تؤرخ لولادة مشروع أراد أن يجعل من مدينة صغيرة منصة حوار عالمي.
منتدى أصيلة: مشروع مستمر وأمل لا يموت
كانت أصيلة بالنسبة لمحمد بن عيسى أكثر من مدينة؛ كانت تجربة فكرية متكاملة. من خلال منتدى أصيلة، أطلق ندوات وورشات وفعاليات فنية استقطبت مفكرين ومبدعين من مختلف أنحاء العالم، ما جعل المدينة مساحة للحوار الحضاري والثقافي.
ركّز بن عيسى على إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة عبر ترميم الفضاءات وتشجيع الجداريات وتحويل الجدران البيضاء إلى معارض مفتوحة. ثم على الندوات الفكرية الدولية، حيث جذب المنتدى مفكرين وسياسيين من أوروبا، إفريقيا، وأميركا اللاتينية، مع التركيز على قضايا الجنوب–الجنوب والحوار الحضاري.
هذه الرؤية جعلت من أصيلة تجربة فريدة في المشهد الثقافي المغربي والعربي، مدينة صغيرة تحاكي العالم كله.
محطات تاريخية وأثر مستدام
في عهد بن عيسى، مرت أصيلة بمحطات مفصلية. شهد المنتدي توسع المشاركة الدولية لتشمل مفكرين ومبدعين من أكثر من قارة، ما منح المدينة دورًا استراتيجيًا في النقاشات الفكرية العالمية. كما عمل بن عيسى على إدماج البعد الإفريقي في صلب الندوات، ما عزز مكانة المغرب كجسر بين الجنوب والغرب.
في مساره الدولي، سواء في العمل الدبلوماسي أو في المسؤوليات الوزارية، ظل بن عيسى يحمل أصيلة كفكرة متنقلة. كان يتحدث عن الثقافة كما يتحدث السياسي عن الاستراتيجية، وعن الحوار كما يتحدث المثقف عن الحرية.
لم يفصل يومًا بين المحلي والعالمي؛ كان يرى أن مدينة صغيرة يمكن أن تكون منصةً كبرى إذا امتلكت الجرأة على الحلم.
ولهذا،حين يُستعاد اسمه اليوم، لا يُستعاد كمسؤولٍ سابق فحسب، بل كمهندسٍ لفضاء ثقافي آمن بأن الفن يمكن أن يغيّر صورة مدينة… وربما صورة وطن.
ما بعد الرحيل: تحديات واستمرارية
مع تولي الصحفي حاتم البطيوي الأمانة العامة للمنتدى، دخل المشروع مرحلة انتقالية دقيقة. التحدي اليوم ليس فقط الحفاظ على إرث بن عيسى، بل تطويره بما يواكب التحولات العالمية، والتقنيات الرقمية، والاحتياجات الثقافية للأجيال الجديدة.
الذكرى الأولى لرحيل محمد بن عيسى ليست لحظة وقوف على الأطلال بقدر ما هي فرصة لتقييم ما تحقق، ومساءلة قدرة المنتدى على الانتقال من فكرة رجل إلى مؤسسة ثقافية مستدامة.
لقد أراد بن عيسى لأصيلة أن تكون أكثر من مدينة؛ أن تكون رسالة. واليوم، بعد عام على الغياب، تظل الرسالة حية، والحديث الذي لن يكتمل دافعًا لمزيد من البناء والابتكار الثقافي، ليبقى اسم محمد بن عيسى حاضرًا في ذاكرة المدينة والفكر المغربي.
حديث لن يكتمل
ربما لأن الحكايات الكبرى لا تنتهي، بل تتحول إلى أثرٍ في الأمكنة، وإلى ذاكرةٍ تسكن الجدران.
عامٌ على الغياب…وأصيلة، كما أرادها، تواصل الحلم.


