: آخر تحديث
إصدارات حديثة

جوانب من القيم الأخلاقية والتجارية في كتاب "حكم وأمثال في التجارة والأعمال"

5
5
5

تناولتُ في مقالٍ سابقٍ أهميةَ ودورَ الحِكم والأمثال، ليس في التجارة والأعمال فحسب، بل بما تكتنزه من تجارب إنسانية تُقدِّم خلاصةَ التجارب الإنسانية، والتي تُوفِّر القدرة على التوازن بين العقل والعواطف، مما يُسهِّل على الناس رؤية الحقيقة والبعد عن الجشع والتنافس غير المحبب، وتفتح الباب للأعمال والتجارة بل والموروث الشعبي بشكلٍ يُشبِع نهم المتلقي ويُرضي الجميع.

وقد أبدع المؤلف أ. محمد بن أحمد الذييب، وهو المولع شغفًا وعنايةً بالأمثال الشعبية عربيها وأجنبيها، بإضافةٍ هامةٍ للمكتبة العربية عبر كتابه الصادر مؤخرًا والموسوم بـ "حكم وأمثال في التجارة والأعمال".

ينطلق المؤلف من أطروحةٍ مركزيةٍ مفادها أن الحِكم والأمثال ليست مجرد تعبيرات تراثية جمالية، وإنما تُمثِّل خبرةً إنسانيةً عمليةً قادرةً على توجيه السلوك الاقتصادي والتجاري. وهي أطروحةٌ وجيهةٌ في أصلها، إذ يصعب إنكار أن التجربة البشرية المتراكمة، حين تُكثَّف في أمثالٍ موجزة، تكتسب قوةً إرشاديةً تتجاوز الزمان والمكان. غير أن قوة هذه الأطروحة تكمن في الطريقة التي قدَّمها كشواهد متعددة لما خلُص إليه، ولتؤكد أن القيم الأخلاقية – كالصدق والأمانة والصبر – ليست معوِّقات للتجارة، بل شروطٌ أساسيةٌ لاستدامتها.

في المقابل، قد يُجادل بعضهم بأن عالم الأعمال الحديث تحكمه قوانين السوق والمؤسسات أكثر مما تحكمه الأمثال والحِكم، وأن الاحتكام إلى التراث قد لا يُواكب تعقيدات الاقتصاد المعاصر. إلا أن الكاتب يتجاوز هذا الاعتراض ضمنيًا حين لا يطرح الحكمة بوصفها بديلًا عن المعرفة الاقتصادية، بل إطارًا أخلاقيًا وسلوكيًا يُوجِّه القرار التجاري ويمنحه بُعدًا إنسانيًا. فالقوانين قد تُنظِّم السوق، لكنها لا تضمن بالضرورة عدالة السلوك أو سلامة النوايا.

ويُحسب للمؤلف أبي نايف أنه لم يسقط في المثالية المفرطة؛ إذ لم يُصوِّر التجارة كفضاءٍ أخلاقيٍّ خالص، بل أقرَّ بوجود المخاطرة والطمع والتنافس، ثم جادل بأن الحكمة تكمن في إدارة هذه العناصر لا في إنكارها. فالتاجر الناجح، وفق الرؤية التي يعكسها الكتاب، ليس من يتجنب المخاطرة كليًا ولا من يندفع بلا حساب، بل من يُوازن بين الجرأة والحذر، وبين الربح والسمعة.

وعليه، يمكن القول إننا أمام عملٍ أدبيٍّ يُقدِّم دفاعًا عقلانيًا عن حضور الحكمة في عالم الأعمال، لا بوصفها خطابًا وعظيًا، بل باعتبارها خلاصة تجربةٍ إنسانيةٍ أثبتت صلاحيتها عبر الزمن، كما يُقدِّم الدعوة للالتزام بتأدية حقوق الغير ومسايرة الأنظمة الحكومية ودعم المشاريع الاجتماعية.

خصص المؤلف ريع الكتاب للجمعية الصحية التطوعية بمحافظة الزلفي.

ويتوفر في مكتبة جرير.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات