إيلاف من الرباط: للعلاقات المغربية-الأميركية تاريخ خاص، تعكسه إشارات متداولة من خطب عدد كبير من الرؤساء الأميركيين، بينهم جون كينيدي، وصولا إلى جو بايدن ودونالد ترامب، حرصت على التأكيد على التقدير الذي تكنه الولايات المتحدة للمغرب، باعتباره أول بلد يعترف بها. وقد كان ذلك قبل نحو 250 سنة.
ونظرا لما تثيره علاقة المغرب بالولايات المتحدة ، سواء على مستوى الماضي أو الزخم المرتبط بالحاضر والمستقبل، فقد كان طبيعيا أن تثير اهتماما متعدد الأوجه، ضمنه توظيف السرد الروائي لهذا الجانب من التاريخ.
.jpeg)
غلاف حتى لا تنسى أمريكا 1777
في هذا السياق، تأتي رواية الكاتب المغربي عبد الإله الحمدوشي، التي أعطاها عنوان "حتى لا تنسى أميركا 1777"، والتي حرص فيها على استعادة هذا الحدث التاريخي في قالب بوليسي – تخييلي. أكثر من ذلك، نشر الحمدوشي، قبل أسابيع، تدوينة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، أعاد فيها التذكير بروايته، التي قال إنه حولها إلى سيناريو "ينتظر إنتاجا ضخما في مستوى الحدث الكبير".
مرسوم مغربي
مما نقرأ على ظهر غلاف رواية الحمدوشي، الصادرة في 2020 عن منشورات دار التوحيدي: "في مدينة مكناس المغربية، صدر مرسوم سنة 1777 يعترف باستقلال أميركا بعد حرب الست سنوات ضد بريطانيا. في ذلك الوقت كانت أميركا تتكون من 13 ولاية فقط، وقد صادق الكونغرس الأميركي على هذه المعاهدة يوم 18 يوليو 1787. بعد ذلك بعث جورج واشنطن رسالة شكر إلى محمد الثالث يشكره على هذا الاعتراف. الرسالة تحمل توقيع كل من جون آدامز وتوماس جيفرسون وهما معا انتخبا رئيسان لأميركا بعد جورج واشنطن.. وبذلك فهذه الوثيقة هي الوحيدة التي تحمل توقيع ثلاثة رؤساء أميركيين، وهي تعد أقدم اتفاقية في تاريخ الولايات المتحدة.. وهي تعد ثاني كنز وطني لديهم بعد وثيقة استقلالهم".
أين الوثيقة؟
طرح الحمدوشي سؤالا مركزيا، أراد أن يفتح به شهية القارئ، بحثا عن أجوبة تهم علاقة المغرب بالولايات المتحدة: "تُرى أين هي هذه الوثيقة التي لا تقدر بثمن.. الطريق إليها شاقة ومملوءة بالعجائب والغرائب"؟
لا شك أن هذا السؤال يلخص لطريقة تعاطي الكاتب مع الحدث من زاوية التخييل الروائي، لذلك جاءت، كما قدم لها ناشرها، "رواية بخلفية تاريخية بطلتها حسناء أميركية من جامعة هارفارد، حضرت إلى المغرب في رحلة دراسية فإذا بالرحلة تتحول الى مغامرة شيقة ومفاجآت لا تخطر على البال".
مفتاح الكنز
تدور أحداث الرواية حول جيسكا، وهي طالبة أميركية يتراءى لها، في حلم متكرر، أن مروضايحيط عنقها بأفعى سوداء مخيفة، ويصرخ في وجهها بلغة لا تفهمها: "عندك مفتاح الكنز". بعد تعب من تكرار مشهد الافعى وحديث "الكنز"، ستهرع إلى قسم اللغة العربية والدراسات الشرقية في هارفارد، الذي يشرف عليه الأستاذ المستعرب جوناثان سميت، المعروف ببحوثه العميقة في الثقافة الشعبية المغربية والتصوف الإسلامي، ليخبرها أن المكان الوحيد الذي يشتهر بمروضي الأفاعي هو المغرب، قبل أن يقترح عليها المشاركة في رحلة ينظمها القسم إلى مراكش المغربية التي تشتهر بمروضي الأفاعي. قال لها: "سنقضي شهر كاملا في المغرب ليتدرب الطلبة على الحديث باللغة العربية والدارجة المغربية، وسنزور عدة مدن وعلى رأسها مراكش، إذا أردت الانضمام إلينا في هذه الرحلة فمرحبا بك". ستوافق جيسكا على كوب مغامرة من نوع خاص، مغامرة شيقة بقالب ينطلق من الحاضر ليغوص في الماضي.
بعد سرد يمزج بين التشويق البوليسي والمغامرة، سنعرف أن الكنز ليس سوى رسالة الرئيس الاميركي جورج واشنطن إلى السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث)، يشكره فيها على قرار الاعتراف. وكان سيدي محمد بن عبد الله، الذي ولد بفاس سنة 1710، وتوفي بمكناس سنة 1790، قد تولى الحكم بداية من 1757.
حدثان تاريخيان
لإبراز مكانة المغرب في تاريخ العالم، وقتها، سيربط الحمدوشي تخييليا بين حدثين تاريخيين، أولهما ما نقلته الكتابات التاريخية حول رغبة السلطان مولاي إسماعيل (1645 - 1727) في الاقتران بكريمة ملك فرنسا لويس الرابع عشر، وثانيها اعتراف سلطان المغرب باستقلال الولايات المتحدة، لذلك صدر الروائي روايته بمقتطفين تاريخيين. مما نقرأ في الأول، الذي هو مقطع من رسالة جورج واشنطن إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الله يشكره فيها على اعتراف المغرب باستقلال أميركا ، حررت في مدينة نيويورك في ديسمبر 1789: "وما أن اجتمعت الولايات المتحدة على تعييني على رأس السلطة التنفيذية العليا لهذه الأمة حتى توصلت بخطاب جلالتكم، المؤرخ في 17 اغسطس 1788، الذي ظل بدون جواب بسبب سقوط الحكومة السابقة، كما توصلت بالخطابات التي تلطفتم جلالتكم بتحريرها لصالح الولايات المتحدة إلى باشوات تونس وطرابلس، وأرفع إلى ساحتكم شكر وامتنان الولايات المتحدة لهذه الالتفاتة الكريمة الدالة على صداقتكم".
أما النص الثاني، فيتحدث عن وصول السفير ابن عائشة إلى باريس يوم 5 فبراير 1699، نقرأ فيه: "أثناء مقامه بباريس رأى وسمع عن ابنة للويس الرابع عشر تدعى ماري آن دي بوربون فأعجب بجمالها، واقترح على مولاي إسماعيل بعد عودته من فرنسا إلى المغرب أن يخطب هذه الأميرة وذكر له محاسنها ومعرفتها بالموسيقى والأدب، وأن الزواج بها سيكون إثباتا للسلم والصلح ويسهل فداء الأسرى بين الجانبين فكلفه السلطان بخطبتها له من والدها الملك لويس الرابع عشر لتكون زوجة له".
مع التقدم في قراءة النص، يفهم القارئ أن جمع الكاتب بين النصين في صفحة واحدة، في فاتحة الكتاب، ليس مجانيا، إذ يخبرنا السارد، في أول صفحات الرواية، أن جيسكا، الشقراء الفاتنة صاحبة أجمل عينين خضراوين في مدينة بوسطن الأميركية ، هي "سليلة ملوك حقيقيين، فهي تنحدر من أسرة الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الملقب ب" ملك الشمس" والذي حكم فرنسا أكثر من خمسة عقود، وأمها ناتالي دي فرانس من حفدة أخت الأميرة ماري آن دي بوربون ابنه لويس الرابع عشر".
بين مراكش ومكناس
من مراكش إلى واحة تافيلالت بالجنوب الشرقي للمملكة، ستتوالى أحداث قصة سعي جيسكا لفك لفز الكابوس الذي يؤرقها. "الكنز عظيم وعظيم ولكنه لا يوجد هنا، إنه يوجد في حبس (قارا) الأثري في مدينة مكناس". هكذا أخبر المروض "والفرح يرقص على شفتيه"، جيسكا والحاضرين، وهو "يخرج من ثقب الجدار أنبوبا ذهبيا وبداخله وجد رقعة جلدية ملفوفة بسطها بلهفة وتطلع إليها فأشرق وجهه ببسمة واسعة".
داخل حبس (قارا) سيختلط العجائبي بالتاريخي، وسيكون الكنز "أغلى كنز" للأميركان بعد وثيقة استقلالهم. كان هناك نقش يتضمن عبارات، تقول إن المغرب هو أول بلد يعترف باستقلال الولايات المتحدة : "فتحت جيسكا الأنبوب الذهبي وأخرجت منه وثيقة الاعتراف باستقلال أميركا ومعها رسالة الشكر وهي مكونة من ثلاث صفحات وتحمل توقيع جورج واشنطن".
حفل ضخم
عند العودة إلى أميركا ، سيقام في جامعة هارفارد "حفل ضخم حظي بتغطية إعلامية واسعة وحضره حشد من الطلبة والأساتذة وعلى رأسهم الأستاذ جوناثان بالإضافة إلى بعض رجال السياسة وكبار المؤرخين من عدة جامعات أميركا، وكان ضيوف الشرف هم جيسكا وأسرتها وسليم وفرقاش والعميد كولمبو الذين جاءوا إلى أميركا على متن طائرة فرانسيسكو الخاصة. في صندوق زجاجي سميك عرضت وثيقة الاعتراف باستقلال أمريكا وبجانبها رسالة الشكر التي بعث بها جورج واشنطن إلى ملك المغرب، ثم عرض في صندوق آخر العقد (..)، قدم الأستاذ جوناثان كلمة ترحيبية وحكى بعض المقتطفات من هذه المغامرة العجيبة، ثم ترك الكلمة إلى أحد أساتذة هارفارد الدي يعتبر من أبرز المؤرخين في العالم والذي ألقى عرضا تاريخيا بدأه بأن أشار إلى جيسكا قائلا بافتخار: في مدينة مغربية تمسى مكناس أعتقت جيسكا روح الأميرة آن ماري دي بوربون ابنه ملك فرنسا لويس الرابع عشر، ومن تلك المدينة أيضا، ويا لمفارقة التاريخ، صدر مرسوم سنة 1777 يعترف باستقلال أميركا بعد حرب الست سنوات ضد بريطانيا. ويعتبر جورج واشنطن ومحمد بن عبد الله سلطان المغرب آنذاك، أصحاب الفضل في وضع اللبنة الأولى لصداقة البلدين، وكما تعلمون كانت أميركا في ذلك الوقت تتكون من 13 ولاية فقط، وقد صادق الكونغرس على هذه المعاهدة يوم 18 يوليو 1787. وهي تحمل توقيع كل من جون آدامز وتوماس جيفرسون وهما معا انتخبا رئيسان بعد جورج واشنطن، وبذلك فإن المعاهدة هي الوحيدة التي تحمل توقيع ثلاثة رؤساء أميركيين وهي تعد أقدم اتفاقية في تاريخ الولايات المتحدة".
سرد تاريخي وعائد اقتصادي
لوحظ في السنوات الأخيرة، توجه لعدد من الروائيين المغاربة وحتى العرب، لاستحضار أحداث وشخصيات مغربية وجعلها أساسا ومنطلقا لكتابات روائية ذات توجه تاريخي، ومن ذلك روايات ليلى العلمي وعبد الرحيم الخصار وعبد العزيز آيت بنصالح ومحمد البوعبيدي وآخرين، عن شخصية "استيفانيكو، أو مصطفى الأزموري، و"أسير البرتغاليين"لمحسن لوكيلي، و"ليون الإفريقي" للفرنسي من أصل لبناني أمين معلوف حول شخصية حسن الوزان، و"زينب النفزاوية ملكة مراكش" لزكية داود، التي تتناول سيرة زينب النفزاوية، زوجة يوسف بن تاشفين وإحدى أشهر النساء في تاريخ المغرب.
ويرى عدد من النقاد أن من شأن هذه العودة إلى التاريخ أن تساهم في إعادة تعريف المغاربة والعالم بتاريخ المغرب، مشددين على أن الاستثمار في كل هذا المنجز الروائي من خلال نقله إلى السينما سيعطي لتاريخ المغرب إشعاعا أكبر، مذكرين بالنموذج التركي في هذا المجال، من خلال أعمال تاريخية تم تقديمها تلفزيونيا وسينمائيا، وكانت لها انعكاسات تجاوزت الجوانب المرتبطة بتاريخ البلد والتعريف به، إلى أمور تهم الترويج لوجهة تركيا سياحيا والمساهمة في التنمية الاقتصادية للبلد.
الحمدوشي
هو روائي وكاتب سيناريو من مواليد مكناس، وهو من رواد الرواية البوليسية بالمغرب. وقد تحولت أغلب رواياته أفلام سينمائية، آخرها "الحنش". من رواياته التي ترجمت إلى لغات أخرى: "الحوت الأعمى" و"الذبابة البيضاء" و"الرهان الأخير" و"السر" و"سفاح كازابلانكا" و"الموت الناعم" و"اليوم الذي انهار فيه كل شيء".



