لمايكل جاكسون رقصة شهيرة، اسمها: مشية القمر أو moonwalk. قيل إن جاكسون لم يبدع هذه الرقصة، وإنما أخذها من راقص راب ومطرب أميركي آخر، بيد أن الجمهور يعرفها لجاكسون وينسبها له.
وليس هذا المهم هنا، وإنما ما يهم هو أنها حقاً تنطوي على إبداع حركي عضلي وتناسق جسدي بديعين. ولكن الأهم من المهم هو الجانب الفلسفي والفكرة السيميولوجية التي تنطوي عليها سيمياء هذه الحركات، ولا سيما في إيحائها الريبوت كونترولي أو Control robot.
علينا أن نتمعّن بها لنعلم أن ليس كل الخطوات تكون نحو الأمام، وأن بعض "الإبداع" يكون رجوعاً وتقهقراً وإن أوهمنا بالتقدّم. علينا أن نتمعّن لنرى أنفسنا في كثير من الأحيان في هذا الجمهور المبهور تصفيقاً، وهو يشاهد معبوده ومطربه ومعشوقه يسير به نحو الوراء، وما يتخللها من خطوات أشبه بسير روبوت بدائي لا يفقه ما يفعل ولا يعي ما يدور حوله، ولا يميّز الخلف من الأمام.
تعطينا سيمياء هذه الرقصة البديعة معلومة أن التمويه على التقهقر والتراجع يحتاج إلى قدرات ومرونة أكثر مما تحتاجه الآلية العضلية للسير الطبيعي نحو الأمام. فالرجوع حين يكون اضطراراً وإعادة توازن وتوجيه، فإنه يجري بحذر وتؤدة لأنه يخالف الفطرة العضلية، ولا يتوافق مع الطبيعة الوجودية للأشياء. حتى الآلات والسيارات يكون الرجوع عليها عسيراً وصعباً، وليس بيسر آلية التقدّم والانطلاق أماماً. غير أن البديع في رقصة القمر هو انسيابيتها ومرونتها وسرعتها، وهذا هو سر تمويهها وخداعها العين البصرية. فالرجوع مخالف لحركة الوجود والموجودات (Being and Beings)، ولذلك فلم تُخلق الكائنات ولا الكون للرجوع ولا للثبات، وإنما خُلقت ووجدت للتقدّم. ولهذا صار على من يريد الرجوع بنا أن يموّه لينجح في إيهامنا أننا نسير على وفق سنن الكون نحو الأمام، فلا يُفسد علينا إدراكنا لحقيقة ما يزعزع سكينتنا، ولا يثير طمأنينة بصيرتنا التي فُطرت على اعتياد التقدّم، وأن التحرك يكون إلى الأمام لا إلى الخلف.
ونحن اليوم ما أكثر وجود الذين يسيرون بنا نحو الخلف، على مستويات الوجود كافة: الأخلاقية والتنموية والمعرفية والعلمية والحضارية، ومن ثم الوجودية. يسيرون بنا ونحن نصفّق ونهلّل بين حالين: بعضنا يعي أو يدرك ما يجري، لكنه يهوى التصفيق للمظاهر الخادعة لغاية فطرية فيه أو مصلحية، أو تماهياً مع القطيع. وبعضنا الآخر لا يعي ولا يدري.
هي حركة تحتاج إلى إعداد وتدريب وحسابات رياضية مدروسة ومتقنة حتى تؤدي المطلوب منها. ولقد علّمتنا اللغة ووعيها الدلالي أن التطوّر لا يعني التقدّم، بل كل تغيّر هو طور آخر مختلف عما قبله، وبعض البعد رجوع إلى القبل. فكل تحوّل وطلب الانتقال من طور إلى طور هو تطوّر دلالي وتبدّل معرفي أبستمولوجي وتفعّل صرفي مورفولوجي في بنية اللغة الشكلية، ويحتمل التقدّم والتأخّر في بنيته الدلالية المعجمية.
أجل، إننا حين نغيّب وعينا ونكبت نوازعنا الفطرية السليمة، ونجعل إبصارنا حالة بصرية طفيلية مبتورة من حاساتها العصبية النقدية، حينها يسهل المسير بنا نحو الخلف، وتضيع علينا مدركاتنا الرؤيوية، فلا نعود ندرك الفرق بين الأمام والوراء والقدّام والخلف، ولا التقدّم ولا التخلّف، ونسلّم قيادنا لكل حركة مهما كانت جهتها البصرية وتوجّهاتها المعرفية. وهذا ما يعيشه عالمنا العربي، الفاقد لكل مقوّمات الإدراك المعرفي والإبصار الرؤيوي: من تنمية ونظم سياسية صحيحة، وحركة نقدية فاعلة ومؤثرة، والأهم من ضمير جمعي حي، وقبل هذا وذاك من مقوّمات تحرّرنا المعرفي.


