حين نقول إن عدد مشتركي الهاتف المحمول في المغرب بلغ 66,1 مليوناً، وأن عدد مشتركي الإنترنت وصل إلى 43,4 مليوناً، فنحن لا نصف سوقاً أو بنية تحتية تكنولوجية فقط، بل نضع أيدينا على تحوّل عميق في أنماط العيش والتواصل والمعرفة والسلطة والخيال الجماعي. هذه الأرقام، التي تصدرها عادة مؤسسات التقنين مثل الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، تكشف عن مغربٍ متصلٍ بنفسه وبالعالم، لكنه أيضاً مغربٌ يعيش مفارقات رقمية حادّة تستحق قراءة سوسيو-ثقافية وتكنولوجية معمّقة.
أن يتجاوز عدد اشتراكات الهاتف المحمول عدد سكان المغرب الفعليين ليس أمراً عرضياً. فالهاتف لم يعد جهازاً، بل أصبح امتداداً للجسد والهوية. شريحتان أو ثلاث في الجيب الواحد تعني تعدد الأدوار: رقم للعائلة، وآخر للعمل، وثالث للعالم الافتراضي. في القرى كما في المدن، صار الهاتف المحمول بوابة الوجود الاجتماعي: تُدار عبره العلاقات العائلية، وتُسوّى به النزاعات الصغيرة، وتُبنى به شبكات العمل غير الرسمي، ويُعاد عبره تعريف مفهومي القرب والبعد.
سوسيولوجياً، نحن أمام انتقال من مجتمع التواصل المباشر إلى مجتمع "التواجد الدائم". فالمواطن حاضر دائماً، متاح دائماً، مراقَب دائماً، حتى وهو في وحدته الشخصية. هذا التواجد المستمر قد غيّر مفهوم الزمن اليومي، فاختفت الحدود بين وقت العمل ووقت الراحة، وبين الخاص والعام، وبين ما يُقال همساً وما يُبث علناً.
43,4 مليون مشترك بالإنترنت تعني أن الشبكة العنكبوتية لم تعد امتيازاً نخبويّاً، بل أصبحت فضاءً يوميّاً مشتركاً. غير أن السؤال الأعمق ليس: من يتصل؟ بل: كيف ولماذا وبأي وعي؟
إنَّ الإنترنت في المغرب قد لعب دوراً مزدوجاً. فمن جهة، فتح نوافذ غير مسبوقة على المعرفة والتعلم الذاتي والعمل الحر والتعبير الثقافي والإبداع الرقمي. ومن جهة أخرى، أعاد إنتاج أشكال جديدة من التبعية والسطحية المعرفية والاستقطاب واقتصاد الانتباه القائم على الإثارة لا على القيمة.
ثقافياً، تغيّر ذوق الاستهلاك الرمزي. لم تعد الكتابة الطويلة هي المهيمنة، بل المقطع القصير، والصورة، والفيديو السريع. هذا التحول لا يعني تراجع الثقافة، بل تحوّل وسائطها. غير أن الخطر يكمن في اختزال الفكر في "الترند"، والمعرفة في "اللايك"، والرأي في "الخوارزمية".
وبالرغم من ضخامة الأرقام، لا يمكن الحديث عن عدالة رقمية كاملة. فالفجوة لم تعد فقط بين من يملك الاتصال ومن يفتقده، بل بين من يملك المهارة الرقمية ومن يظل مستهلكاً سلبياً.
هناك مغرب حضري متصل بسرعة عالية، يستثمر الإنترنت في التعليم والعمل والريادة، ومغرب آخر هامشي يكتفي بالاستخدام الترفيهي أو الاتصالي البسيط. هذه الفجوة المعرفية الرقمية قد تتحول، إن لم تُعالج، إلى فجوة اجتماعية-اقتصادية أعمق.
تكنولوجياً، تعكس هذه الأرقام توسعاً في البنية التحتية الرقمية، وتهيئة الأرضية لاقتصاد رقمي متنامٍ: التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية عبر الهاتف، والعمل عن بُعد، وصناعة المحتوى. غير أن هذا الاقتصاد يظل هشّاً إذا لم يُدعّم بسياسات تعليمية وتكوينية واضحة.
إن العمل عبر المنصات الرقمية، مثل خدمات التوصيل أو العمل الحر، خلق فرصاً جديدة، لكنه في الوقت نفسه أنتج أشكالاً جديدة من اللااستقرار الوظيفي، حيث يغيب التأطير القانوني والحماية الاجتماعية. الهاتف الذكي هنا يصبح أداة إنتاج، لكنه أيضاً أداة استنزاف.
مع هذا الحجم من الاتصال، تحوّل الإنترنت إلى فضاء عام بديل. النقاشات السياسية، والاحتجاجات الرمزية، وصناعة الرأي، انتقلت جزئياً إلى الشبكات الاجتماعية. هذا التحول عزّز حرية التعبير من جهة، لكنه فتح الباب أيضاً أمام التضليل وخطاب الكراهية والاستقطاب الحاد.
إن التحدي هنا ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في حوكمتها. كيف نضمن فضاءً رقمياً يحمي حرية التعبير دون أن يتحول إلى فوضى رمزية؟ وكيف نوازن بين التنظيم والحرية دون الوقوع في الرقابة الشاملة؟
ومما لا شك فيه أن الهاتف والإنترنت قد أعادا تشكيل الهوية المغربية المعاصرة. اللغة نفسها تغيّرت: دارجة ممزوجة بالعربية الفصحى والفرنسية والإنجليزية، مختصرة، سريعة، هجينة. هذا التهجين اللغوي يعكس حيوية ثقافية، لكنه يطرح أسئلة حول التعليم والذاكرة ونقل المعرفة بين الأجيال.
في المقابل، وفّرت المنصات الرقمية فرصة غير مسبوقة لإبراز الثقافة المحلية: الموسيقى، والحكاية الشعبية، والمطبخ، واللهجات، والذاكرة الجماعية. غير أن هذا الظهور يبقى رهين منطق المنصات العالمية، التي تفرض إيقاعها وقواعدها.
66,1 مليون مشترك بالهاتف المحمول و43,4 مليوناً بالإنترنت ليست مجرد مؤشرات تقنية، بل مرآة لتحوّل بنيوي عميق. المغرب يعيش انتقالاً رقمياً حقيقياً، لكنه انتقال غير مكتمل. الرهان اليوم لم يعد في توسيع التغطية فقط، بل في بناء إنسان رقمي ناقد ومبدع ومسؤول.
القراءة السوسيو-ثقافية لهذه الأرقام تقودنا إلى خلاصة أساسية: التكنولوجيا لا تُنتج التقدم تلقائياً، بل تكشف تناقضات المجتمع. إما أن تتحول هذه الكثافة الرقمية إلى رافعة للمعرفة والعدالة والتنمية، أو تصبح مجرد ضجيج متصل يستهلك الزمن والوعي. وأخيراً فالخيار ليس تقنياً، بل خياراً ثقافياً وسياسياً بالدرجة الأولى.


