: آخر تحديث

الثورة الرقمية التي حطّمت المؤسسات الإعلامية التقليدية

0
3
4

لأكثر من قرن من الزمان، هيمنت شبكات التلفزيون الكبرى والصحف الكبرى على المشهد الإعلامي الأميركي. بدا هذا المشهد راسخاً لا يتزعزع، مُشيَّداً على استثمارات بنية تحتية ضخمة أفرزت احتكارات طبيعية. غير أن هذه الهيمنة انهارت في غضون عقد واحد. فبحلول عام 2025، تجاوزت وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرون الرقميون المستقلون المنافذ التقليدية لتصبح المصدر الأول للأخبار في أميركا. ولم يكن السبب الرئيسي في ذلك إخفاقات تحريرية أو انحيازاً سياسياً، بل ثورة تكنولوجية، إذ انخفضت تكلفة نقل البيانات بنحو 95 بالمئة بين عامَي 2010 و2020، مما أسقط الأساس الاقتصادي الذي كان يحمي الإعلام التقليدي لأجيال متعاقبة.

اقتصاديات الإعلام القديم
استمدّ الإعلام التقليدي قوته من سيطرته على الوسائل الوحيدة الممكنة اقتصادياً للتوزيع الجماهيري. كانت محطات التلفزيون تستلزم ملايين الدولارات في معدات البث وتراخيص هيئة الاتصالات الفيدرالية والبنية التحتية للإرسال. أما الصحف فكانت تحتاج إلى مطابع وشاحنات توزيع وشبكات تغطية في المدن الكبرى. أفرزت هذه المتطلبات الرأسمالية احتكارات طبيعية، إذ كانت معظم المدن لا تملك سوى صحيفة أو اثنتين، وهيمنت ثلاث شبكات تلفزيونية رئيسية على المشهد لعقود.

منح هذا التحكم بوسائل بث المعلومات الإعلام التقليدي قوة هائلة، فأصبح السياسيون والمعلنون والجمهور جميعاً معتمدين على الصحف الرئيسية ومحطات التلفزيون لنشر آرائهم وأخبارهم. وحققت الصحف ذروة إيراداتها الإعلانية في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة بنحو 60 مليار دولار سنوياً، فيما ولّد التحكم في البث وتوزيع الكابلات أرباحاً طائلة.

التكنولوجيا التي غيّرت كل شيء
حين طُرح الهاتف الذكي عام 2007، بدا في البداية مجرد شاشة أخرى لاستهلاك المحتوى التقليدي. كانت الأجهزة الأولى باهظة الثمن، وبلغت تكلفة بيانات الجوال نحو 90 دولاراً للغيغابايت في 2010، مما جعل البث المباشر للفيديو أو التصفح المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي أمراً مُكلفاً يتجاوز قدرة معظم المستخدمين.

ولكن ثلاثة تحولات تكنولوجية تضافرت بين عامَي 2010 و2020 لتغيير موازين القوى بين الإعلام التقليدي ومواقع التواصل الاجتماعي. أولها: شبكات الجيل الرابع والخامس LTE التي خفّضت تكاليف البنية التحتية لتوصيل البيانات. وثانيها: تحوّل الهواتف الذكية إلى سلعة متاحة للعامة، حيث هبطت أسعارها من 600 دولار إلى ما دون 200 دولار. وثالثها، والأهم: انهيار تكاليف بيانات الجوال من نحو 90 دولاراً للغيغابايت عام 2010 إلى ما دون 5 دولارات في 2018، أي بانخفاض 95 بالمئة. وبحلول 2024، باتت خطط البيانات غير المحدودة معياراً سائداً، مع استهلاك الأميركيين ما يزيد على 20 غيغابايت شهرياً عبر الهواتف الذكية وحدها.

فلم يكن ذلك مجرد خفض في الأسعار، بل كان إزالةً تامة لقيد كان يكبّل الإعلام، فأصبح توصيل المعلومات إلى ملايين الأشخاص لا يكاد يكلّف شيئاً.

انهيار المؤسسات الإعلامية الكبيرة والتوقيت المثالي
حين باتت تكلفة نقل البيانات لا تُذكر، تبخّرت المزايا الاقتصادية للإعلام التقليدي. فأصبح بوسع المؤثر الاجتماعي جو روغان الوصول إلى جماهير مماثلة لمحطات التلفزة دون الحاجة إلى أبراج بث. وبات بمقدور صحفيين منافسة الصحف الإقليمية عن طريق موقع سبستاك دون الحاجة إلى مطابع.

والأرقام تُوثّق هذا الانهيار بوضوح، فتراجع توزيع الصحف 32 بالمئة في خمس سنوات ليبلغ 21 مليون نسخة بالكاد عام 2022، وتهاوت إيرادات الإعلانات الصحفية من 60 مليار دولار إلى 20 ملياراً. وبحلول 2025، بات عدد الأميركيين الذين يتلقون أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي والفيديو الرقمي يفوق من يعتمدون على التلفزيون.

جاء هذا النضج التكنولوجي في لحظة فارقة لشخصيات إعلامية بارزة. فقد تزامن رحيل تاكر كارلسون من قناة فوكس نيوز عام 2023 ومغادرة كاندس أوينز ديلي واير عام 2024 مع مرحلة النضج الكامل للبنية التحتية الرقمية المستقلة. ولو أُقيل كارلسون قبل خمس سنوات في 2018 لكان مصيره مختلفاً على الأرجح. لكن انطلاق برنامجه المستقل في 2023 تزامن مع اللحظة التكنولوجية المثالية: بيانات غير محدودة بتكلفة زهيدة، ومنصات بودكاست راسخة، وأدوات تحقيق دخل سلسة للمبدعين. وفي غضون أشهر، بلغ برنامجه المستقل جمهوراً مماثلاً لجماهير أبرز البرامج في التلفزيون المدفوع.

تكشف هذه الحالات كيف يُشكّل التوقيت التكنولوجي المسارات المهنية بالقدر ذاته الذي تُشكّل فيه التحولات الصناعية. فالفصل ذاته الذي كان سيُنهي مسيرة إعلامية في 2015 قد يُطلق إمبراطورية مستقلة في 2023. وقد قلبت التكنولوجيا موازين القوى بين الشخصيات والمؤسسات، فالشبكات التي ظنّت أنها من صنع النجوم اكتشفت أن هؤلاء النجوم قادرون على اصطحاب جماهيرهم مباشرةً إلى منصات جديدة.

النظام المعلوماتي الجديد
غدت منصات التواصل الاجتماعي البنية التحتية للتوزيع الجديد، لكنها على خلاف الإعلام التقليدي لا تصنع المحتوى، بل تكتفي بتوصيل المبدعين بجماهيرهم. فأفرز ذلك سوقاً تحكمه مقاييس التفاعل لا سيطرة المؤسسات.

وقد أسفرت هذه الديمقراطية الإعلامية عن مكاسب حقيقية، إذ كشف صحفيون مستقلون قضايا كبرى، ووجدت أصوات طالما أُقصيت من المنابر التقليدية طريقها إلى الجمهور. والأهم من ذلك أن قضايا كثيرة كان الإعلام التقليدي يتجاهلها أو يقمعها، تولّى بودكاستون مستقلون التحقيق فيها وإثبات صحتها.

وتبقى قضية جيفري إبستين المثال الأكثر بروزاً في هذا السياق. فطوال حقبتَي التسعينيات والألفية الثالثة، كان سراً معلناً أن إبستين كان يتّجر بالفتيات القاصرات لخدمة الأقوياء والنافذين. ومع ذلك، آثر الإعلام التقليدي الصمت، حتى إن صفقة الإفراج الهزلية عن إبستين عام 2006، التي اكتفت بسجنه 13 شهراً رغم الأدلة الدامغة على انتهاكات كثيرة، لم تحظَ إلا بتغطية شحيحة إلى أن أعادت صحيفة مايامي هيرلد فتح الملف بعد سنوات.

ولكن البودكاستون المستقلون ظلّوا ينبشون في القضية، ويمنحون ضحايا إبستين منابر للتعبير حين أحجمت المنافذ التقليدية عنهم. وحين اختفت غيسلان ماكسويل، المتهمة بالتواطؤ مع إبستين دون توجيه أي اتهامات إليها، كان المبدعون المستقلون، لا الشبكات الكبرى، من يواصل المطالبة بمحاكمتها. وقد أسهم الاهتمام المتواصل من الإعلام البديل إسهاماً بالغاً في إجبار السلطات في نهاية المطاف على اعتقال ماكسويل. وكشفت هذه القضية كيف أن المؤسسات التي تعتمد على حسن العلاقة مع أصحاب النفوذ قد تجد نفسها حاميةً لهذا النفوذ بدلاً من فضحه.

وبحلول 2025، أصبح الإعلام التقليدي ضعيفاً ومعتمداً على اشتراكات رقمية من شرائح ميسورة. وبات معظم الأميركيين يستقون أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي ويوتيوب والبودكاست. ولذلك استأثرت شركات المنصات كغوغل وفيسبوك بأكثر من 60 بالمئة من إيرادات الإعلانات الرقمية، فيما تحوّل إنتاج الأخبار الفعلي إلى نشاط هامشي من الناحية الاقتصادية.

يُجلّي هذا التحول حقيقةً صارمة: إن البنية التحتية للتوزيع هي التي تُشكّل المنظومات المعلوماتية، أكثر بكثير من الفلسفة التحريرية أو المعايير الصحفية. فحين كان نقل المعلومات مكلفاً، كان من يتحكم في البنية التحتية يتحكم في الخطاب. وحين باتت تكلفة نقل البيانات صفراً، تبدّد ذلك التحكم.

الخلاصة
لقد اعتمدت هيمنة الإعلام التقليدي على قيود تكنولوجية واقتصادية لم تعد قائمة. فلم يكن تراجعه في جوهره بسبب الانحياز أو العجز عن التكيف، بل بسبب زوال الأصل الجوهري الذي بُنيت عليه نماذجه التجارية. فالهاتف الذكي والبيانات الرخيصة لم ينتجا منافسةً جديدة فحسب، بل أزالا الشح الجوهري الذي كان يجعل الصحف والتلفزيون ضرورةً لا غنى عنها. لذلك لم ينتهِ عصر شبكات التلفزيون والصحف بوصفها الحارس الأول للمعلومات في أميركا لأن الأميركيين كفّوا عن السعي والاهتمام بالأخبار، بل لأن التكنولوجيا جعلت البنية التحتية التي شيّدتها تلك المؤسسات لتوصيل الأخبار إلى الناس ذات قيمة لا تُذكر. فالثورة التي أطاحت بالمؤسسات الإعلامية الكبيرة لم تُقَس بالأيديولوجيا ولا بالتقلبات السياسية، بل قِيست بالسنتات لكل غيغابايت.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.