ليس لأن الجدران متشابهة، بل لأن القهر واحد، وإن اختلفت الأسماء. ما زلت أذكر ذلك اليوم كما لو أنه محفور في جسدي لا في ذاكرتي. فكل يوم عيد. كنا في القرية، حيث يُفترض للفرح أن يكون طقساً إجبارياً، وحيث يُفترض للجوع أن يخجل من الظهور. لكن أمعاءنا كانت تعتصر جوعاً، لا خجل فيه ولا مواربة. كنت طفلة أراقب المشهد بعينين مفتوحتين أكثر مما ينبغي لطفلة. رأيت نساء البيت، أمهات، خالات، عمّات، يتحركن كخلية نحل منهكة. قدور ضخمة من الأرز، لحم يفور، روائح تشبه موائد السلاطين في الحكايات. كنت أظن، بسذاجة الأطفال، أن كل هذا لنا. أن العيد يعني الشبع. أن الجهد يعني عدلاً في القسمة.
ثم اكتشفت الحقيقة.
ذلك الطعام، المكدّس كأنه إعلان عن كرم أسطوري، لم يكن لنا. كان مائدة مخصصة للرجال. للرجال فقط. يتصدرها الأب، فالعم، فالخال، فالشباب الذكور، بينما نقف نحن على الهامش، ننتظر. ننتظر ماذا؟ أن يشبعوا أولاً. أن ينهوا أحاديثهم وضحكاتهم. أن يرفعوا أيديهم عن الصحون. عندها فقط، يُسمح لنا أن نقترب، لا كضيوف، بل كبقايا مشهد. لم يكن الجوع هو الأكثر إيلاماً. الإيلام الحقيقي كان الإحساس بأنك أقل استحقاقاً للطعام، لأنك أنثى. أن بطوننا يجب أن تصبر، لأن وجودنا مؤجل دائماً، حتى في أبسط حقوق الجسد.
في تلك اللحظة، دون خطابات ولا شعارات، اتخذت قراري. قرار داخلي صامت لكنه حاسم:
يستحيل أن أقبل هذا الوضع.
يستحيل أن أبتلع الفكرة كما ابتلعت الجوع.
يستحيل أن أتعلم الصبر على الظلم باسم العادات.
كبرت، لكن الألم لم يكبر وحده. كان يتجدد، يتخذ أشكالاً أخرى، أقسى، وأكثر فجاجة. ما زلت أتألم حين أتذكر تلك الفتاة. فتاة أعرفها جيداً. متفوقة، ذكية، حصلت على المجموع الكامل. حلمها واضح، نبيل، صريح: دراسة الطب. أن تُنقذ الأرواح. أن تكون شيئاً في هذا العالم. لكن الحلم قُطع بقرار لا علاقة له بها. قرار لم يصدر عن الأب، بل عن العم. نعم، العم.
تخيل معي: رجل لم تحملها زوجته في بطنه، لم يسهر على حماها، لم يبكِ خوفاً عليها، يقرر مصيرها. يقرر أن الطب "مجال مختلط". أن وجودها بين الرجال خطر. أن علمها عورة. أن طموحها تهديد لشرف هشّ لا يصمد أمام فكرة امرأة تتعلم.
لم يسألها أحد عما تريد.
لم يسألها أحد عما تشعر.
لم يسألها أحد لماذا يُسمح للرجل بالاختلاط ليعمل، ويتعلم، ويعيش، بينما تُدان المرأة لمجرد أنها تريد الشيء ذاته. هكذا يُصنع سجن أبو غريب الخاص بالمرأة العربية. ليس بأسلاك شائكة، بل بقوانين غير مكتوبة. ليس بحراس، بل بأقارب. ليس بالتعذيب الجسدي فقط، بل بتكسير الأحلام، وإهانة العقل، وتجويع الروح.
سجن يبدأ من مائدة الطعام، ويمتد إلى مقاعد الدراسة، وينتهي عند حدود الحياة نفسها. والمؤلم أكثر؟ أن كل هذا يُقدَّم لنا باسم الحب، وباسم الخوف علينا، وباسم "مصلحتنا". وكأن المرأة لا تعرف مصلحتها. وكأن حريتها خطر يجب السيطرة عليه. وكأنها وُلدت لتنتظر دائماً.
لكننا نتذكر.
ونرفض.
ونكتب.
لأنَّ الذاكرة مقاومة، والكلمات أول كسر في جدار السجن.
أنا سعيدة.
وليس من السهل أن أنطق هذه الكلمة حين يتعلق الأمر بالمرأة العربية، لأن تاريخها مع الفرح كان دائماً مشروطاً، ومؤجلاً، ومشحوناً بالحذر. لكن في هذا العهد، أشعر بسعادة لا أضطر لتبريرها، ولا أخجل من إعلانها. أنا سعيدة للمرأة في زمن الأمير المستنير محمد بن سلمان، لأن التغيير لم يأتِ ككسر فجّ، ولا كصدام مع المجتمع، بل جاء كميزان دقيق وواعٍ، يعرف أن العدالة لا تعني إقصاء طرف لصالح آخر، بل تعني إعادة توزيع الضوء بعد طول ظلام.
ما حدث لم يكن منحاً قسرياً للحقوق، ولا قفزاً في فراغ، بل فتح أبواب كانت مغلقة باسم الخوف، وأُعيد فتحها باسم الثقة. ثقة بالمرأة أولاً، وبالمجتمع ثانياً، وبقدرة الإنسان على التكيف حين يُعامل باحترام. للمرة الأولى، شعرت أن الفرص لم تُفرض على المرأة، بل قُدِّمت لها كخيار. والاختيار في حد ذاته كرامة. أن تختار أن تعمل، أن تتعلم، أن تقود، أن تدخل مجالات كانت محرمة عليها اجتماعياً لا لأنها عاجزة، بل لأن غيرها قرر عنها. اليوم، أصبحت صاحبة القرار، دون أن يُطلب منها أن تتخلى عن هويتها، أو أن تتصادم مع محيطها.

