أصبح النقاب الكامل للوجه، الذي يُطلق عليه غالباً النقاب أو البرقع، أحد أكثر الرموز إثارةً للجدل وسوء الفهم في النقاشات المعاصرة حول الإسلام والمرأة المسلمة. ففي الخطاب الغربي يُقدَّم هذا اللباس على أنه يمثل المرأة المسلمة في جميع أنحاء العالم، إلا أن هذا التصور يتعارض مع الواقع، فأكثر من 80 بالمئة من النساء المسلمات عالمياً لا يرتدين النقاب، كما أن توزيع النقاب حول العالم الإسلامي يكشف أن أصوله واستمراره لهما علاقة أكبر بكثير بالجغرافيا والمناخ والاهتمامات العملية لما قبل الحداثة منها بالفقه الإسلامي.
فالبلدان التي ينتشر فيها النقاب تتشارك في خاصية لافتة، وهي أنها مناطق ذات إشعاع شمسي مكثف. فشمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وأجزاء من إيران وباكستان، وهي مناطق معظم نسائها يرتدين فيها النقاب، هي أماكن تشرق فيها الشمس لمعظم أيام السنة، حيث ترتفع درجات الحرارة، وحيث يشكل التعرض للأشعة فوق البنفسجية تهديدات حقيقية لصحة البشرة ومظهرها.
وفي عصر ما قبل الحداثة، قبل اختراع واقي الشمس، واجهت النساء في هذه المناطق معضلة عملية. فالتعرض المطول للشمس يسبب الشيخوخة المبكرة وتلف الجلد. وفي مجتمعات كان لجمال المرأة ومظهرها الشبابي قيمة اجتماعية كبيرة، لم تكن حماية الوجه من أشعة الشمس القاسية مجرد اهتمام بالمظهر، بل حكمة عملية. لذلك ظهر النقاب كحل لهذا التحدي البيئي، مما سمح للنساء بالتحرك في الأماكن العامة مع حماية بشرتهن من الأشعة الضارة.
وكاتب هذا المقال يتذكر عندما كان في صغره طالباً في مدرسة أميركية كيف كان يتعجب من نعومة وجهي جدتيه السعوديتين مقارنة بوجوه معلماته الأميركيات اللواتي كن في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر. هاتان المرأتان في السبعينيات من عمرهما، اللتان قضتا حياتهما بأكملها وهما تغطيان وجهيهما عند الخروج في شمس المملكة الشديدة، كانتا تتمتعان ببشرة شابة بشكل ملحوظ، ناعمة وخالية من التجاعيد والبقع العمرية التي ميزت وجوه نساء أميركيات أصغر سناً بكثير قضين سنوات معرضات للعوامل الطبيعية. فقدّم هذا التباين الصارخ مثالاً حياً على الوظيفة الوقائية العملية للنقاب.
والتوزيع الجغرافي للنقاب يدعم هذا التفسير المناخي بشكل مقنع. فلو أخذنا أكبر دولة مسلمة من حيث عدد السكان، وهي إندونيسيا التي يقطنها أكثر من 230 مليون مسلم، سنجد أن غالبية النساء الإندونيسيات لا يرتدين النقاب. فمناخ البلاد الاستوائي يتميز برطوبة عالية وغطاء سحابي معظم السنة، مما يقلل من شدة الشمس. وبالمثل، في بنغلاديش، دولة أخرى يزيد عدد المسلمين فيها عن 150 مليون نسمة، النقاب نادر للغاية. فالمناخ الموسمي، بأمطاره الموسمية وسمائه الملبدة بالغيوم، لم يخلق الضغوط البيئية التي جعلت تغطية الوجه ضرورة عملية.
وتركيا مثال آخر لدولة عدد سكانها المسلمين يفوق 80 مليون نسمة لا يرتدي النقاب من نسائها إلا قلة لا تُذكر، فتركيا بمناخ غائم في الغالب، خاصة في مناطقها الشمالية والغربية، تختار نسبة كبيرة من نسائها ارتداء الحجاب المغطي للرأس وليس النقاب. فمناخها المعتدل لم يستدعِ أبداً نوع الحماية الشاملة للوجه الشائعة في الصحاري العربية.
حتى داخل بعض البلدان المسلمة غالباً ما ترتبط الاختلافات الإقليمية في ممارسات النقاب باختلافات مناخية. ففي باكستان النقاب أكثر شيوعاً في المناطق الجنوبية بالقرب من بحر العرب وفي المناطق المتاخمة لإيران وأفغانستان، حيث شدة إشعاع الشمس أعلى، بينما هو أقل انتشاراً في المناطق الجبلية الشمالية. وفي إيران تختلف الممارسة بين الصحراء الداخلية والساحل الأكثر اعتدالاً في بحر قزوين.
ويكشف هذا التوزيع الجغرافي للنقاب حقيقة غير مريحة لأولئك الذين ينظرون إلى النقاب في المقام الأول من خلال عدسة دينية، فمن الواضح أن هذه الممارسة ظهرت كتكيف بيئي لما قبل الحداثة تم تبريره مع الوقت على أنه فرض ديني. وليس هناك شك في أن الإسلام يفرض الاحتشام في اللباس لكل من الرجال والنساء، ولكن الشكل المحدد الذي يتخذه هذا الاحتشام يختلف عبر العالم الإسلامي، متأثراً بالعادات المحلية والمناخات والاعتبارات العملية.
فلذلك التحيز الأوروبي تجاه النساء المسلمات اللواتي يرتدين النقاب ينبع من سوء فهم أساسي لهذا التاريخ. فينظر النقاد إلى النقاب كرمز للقمع أو التطرف الديني دون إدراك أصوله كاستجابة عملية للظروف البيئية. ويزيد سوء الفهم لأن بعض المهاجرات المسلمات إلى البلدان الأوروبية من شمال أفريقيا والشرق الأوسط يستمررن في ارتداء النقاب حتى في المناخات التي لا تخدم فيها هذه الملابس أي غرض عملي، لأن الممارسة أصبحت راسخة في هويتهن الثقافية.
وحتى في المناطق الصحراوية غيّر توفر الكريمات الواقية للشمس المعادلة التي جعلت تغطية الوجه ضرورة عملية. فيمكن للنساء الآن في المملكة العربية السعودية أو مصر أو باكستان حماية بشرتهن من أضرار الشمس مع ترك وجوههن مكشوفة. ومع توفر واقي الشمس بشكل أكبر وقبوله ثقافياً عبر هذه المناطق، سيتضاءل المبرر العملي للنقاب. ولكن العادات بمجرد ترسخها لا تختفي بين عشية وضحاها، حتى عندما يُستبدل مبررها الأصلي. فالنقاب أصبح جزءاً من الهوية المجتمعية والدينية التي تتجاوز غرضه العملي الأصلي. تماماً كما استمرت الأحذية ذات الكعب العالي لفترة طويلة في أوروبا بعد أن توقفت النساء عن الحاجة إلى أحذية مرتفعة للتنقل في الشوارع الموحلة، فالنقاب قد يستمر لجيل أو جيلين حتى عندما تتلاشى ضرورته العملية.
إنَّ فهم النقاب كممارسة تكيفية مناخية بدلاً من كونها ممارسة دينية بحتة يسمح برؤية أكثر دقة وصحة لتجارب النساء المسلمات في جميع أنحاء العالم. إنه يكشف عن التنوع الثقافي داخل العالم الإسلامي ويتحدى الروايات التبسيطية التي تعامل جميع النساء المسلمات كمجموعة واحدة متجانسة. والأهم من ذلك، أنه يذكرنا بأن الممارسات التي ننظر إليها على أنها تقاليد دينية خالدة غالباً ما يكون لها أصول أكثر دنيوية وعملية مما نتخيل.


