: آخر تحديث

ما وراء الـ 100 مليار: إعلان "الاستقلال الخوارزمي" السعودي

4
4
4

مع الإعلان الرسمي للمملكة العربية السعودية عن إطلاق حزمة مشاريع استراتيجية في الذكاء الاصطناعي (مشروع "التعالي") بدعم مالي يصل إلى 100 مليار دولار، سارعت عناوين الصحف الغربية إلى استدعاء السردية المعتادة: "قوة البترودولار تحاول شراء التكنولوجيا". لكن هذه القراءة السطحية تغفل تحولاً جيوسياسياً أعمق؛ فما يحدث في الرياض ليس مجرد تنويع للمحفظة الاستثمارية، بل هو تأسيس منهجي وعلني لما يمكن تسميته بـ "السيادة الخوارزمية".

لسنوات طويلة، تعامل العالم مع دول الخليج كمستهلك نهائي للتكنولوجيا، أو كممول صامت. لكن التحول السعودي اليوم ينطلق من حقيقة حتمية في القرن الحادي والعشرين: الدولة التي لا تمتلك خوارزمياتها، لا تمتلك قرارها. في عصر البيانات، الركون الكامل إلى التكنولوجيا المستوردة – شرقاً أو غرباً – يُعد ثغرة في "المناعة الوطنية".

هذا المشروع إذن ليس صندوقاً للتحوط، بل هو "نظام تشغيل سيادي". الهدف منه بناء "الكتلة الحرجة" من القدرات الحسابية (Compute Power) ومراكز البيانات داخل الحدود الجغرافية للمملكة. هذا التوجه ينبع من قراءة واقعية للمشهد الدولي: في لحظة الأزمات الكبرى، يمكن للدول المصنعة للتكنولوجيا حجب "الذكاء" والرقائق تماماً كما حُجبت سلع استراتيجية أخرى في الماضي.

إنَّ تحويل البيانات الوطنية إلى نماذج ذكاء اصطناعي محلية هو تطبيق عملي لمفهوم "الأمن القومي السيبراني". فعندما تعتمد دولة ما على نماذج لغوية كبيرة (LLMs) مطورة في الخارج، فإنها قد تستورد معها انحيازات تلك الثقافات وقيمها. السعودية اليوم، عبر هذا الإعلان الاستراتيجي، تؤكد أنها ترفض أن تكون مجرد "حقل بيانات" تحصده الشركات الكبرى، وتسعى لتكون "مصفاة معرفية" تكرر البيانات الخام وتعيد تصديرها كمنتجات ذكية.

هذا الطموح يضع الرياض في موقع دقيق بين قطبي التكنولوجيا العالميين. فبينما تفرض واشنطن قيوداً على الرقائق المتطورة، وتعرض بكين شراكات مفتوحة، تختار السعودية شق طريق ثالث. هي لا تعيد تعريف تحالفاتها بحثاً عن قطب جديد، بل تنطلق من منطق "الندية الإنتاجية"، لبناء "بنية تحتية محايدة" تجعل منها عقدة اتصال عالمية (Super-Node) لا يمكن تجاوزها في سلاسل الإمداد الرقمي.

الرسالة هنا واضحة: السعودية تطرح صيغة "الشراكة" فقط. والتعامل مع هذا المشروع بمنطق التقييد لن يؤدي إلا إلى تسريع تطوير المملكة لقدراتها الذاتية أو المضي قدماً في خياراتها البديلة.

نحن نشهد ملامح "الدولة الإدراكية"، حيث يُقاس نفوذ الدول بحجم "الذكاء" الذي تنتجه، وليس فقط بما تصدره من طاقة. وهذا المشروع هو الإعلان العملي بأن السعودية قررت مغادرة مقاعد المتفرجين في المدرج الرقمي، والنزول إلى أرض الملعب كلاعب صانع للألعاب، يمتلك أدواته الخاصة، ويفرض قواعده الخاصَّة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.