لم يعد الصراع داخل نظام ولاية الفقيه مجرد خلافات مألوفة بين أجنحة السلطة، بل تحول إلى معركة مفتوحة حول سؤال البقاء نفسه. فبينما يتحدث الإعلام الرسمي عن "الوحدة" و"الظروف الحساسة"، تكشف الوقائع أن النخبة الحاكمة في طهران دخلت مرحلة من التنازع الداخلي الحاد، على خلفية اقتصاد ينهار، واحتجاجات اجتماعية تتجدد، ومأزق استراتيجي بين خيار التراجع أمام الغرب أو الذهاب نحو مزيد من التصعيد.
تظهر الأزمة بوضوح في البرلمان، حيث لم تمنع الأوضاع الاستثنائية استمرار صراعات النفوذ بين أجنحة النظام. فقد كشفت وسائل إعلام تابعة للنظام عن محاولات التيارات المتشددة، ولا سيما المحسوبة على جبهة بايداري، تقليص نفوذ محمد باقر قاليباف داخل مجلس الشورى، بالرغم من إعادة انتخابه لرئاسة البرلمان. هذه المعركة لا تتعلق بالمناصب وحدها، بل تعكس انقسامًا أعمق حول كيفية إنقاذ النظام من مأزقه: هل يكون ذلك عبر تنازلات تكتيكية للغرب، أم عبر مزيد من التشدد والتصعيد؟
في الخلفية، تتراكم أزمات لا يستطيع النظام إخفاءها. فالتضخم، وانهيار العملة، واحتجاجات المتقاعدين والعمال والمعلمين، كلها عوامل تضغط على سلطة تدرك أن المجتمع لم يعد قابلًا للضبط بالأساليب القديمة. ولذلك تبدو الصراعات الداخلية اليوم أكثر خطورة من السابق، لأنها لا تجري في لحظة استقرار، بل في لحظة خوف من انفجار اجتماعي أوسع.
على الجبهة الدبلوماسية، تبدو الانقسامات أشد وضوحًا. فزيارة قاليباف إلى الدوحة، برفقة وزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، جاءت في سياق بحث ملفات حساسة، منها العلاقات الإقليمية، ومضيق هرمز، والأصول الإيرانية المجمدة، ومخزونات اليورانيوم عالي التخصيب. وفي الوقت نفسه، حاول مسعود بزشكيان الدفاع عن خط التفاوض، مؤكدًا أن أي قرار لا يُتخذ من دون إذن القيادة، ومشددًا على أن النظام لا يسعى إلى السلاح النووي ولا إلى زعزعة استقرار المنطقة.
لكن هذا الخطاب قوبل بهجوم شرس من الجناح الأكثر تشددًا. فقد هاجم حسين شريعتمداري، ممثل القيادة في صحيفة كيهان، فريق التفاوض، معتبرًا أن بعض الدبلوماسيين يتصرفون كما لو أن قواعد مضيق هرمز ستعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب. كما ذهب نواب متشددون إلى حد القول إن أي اتفاق مع الولايات المتحدة لن يجلب للنظام سوى الشر، وأن المواجهة العسكرية ستستمر بصورة أو بأخرى.
هذا الانقسام يكشف مأزقًا وجوديًا. فالجناح الذي يدعو إلى التفاوض يخشى أن يؤدي استمرار الأزمة إلى انتفاضة أكثر جذرية. أما الجناح المتشدد فيرى أن أي تنازل سيحطم معنويات القاعدة الموالية للنظام وأذرعه الإقليمية، ويترك السلطة مكشوفة أمام مجتمع غاضب.
بعبارة أخرى، كل خيار يحمل بذور الانهيار: التراجع يهدد تماسك النظام، والتصعيد يضاعف عزله وأزماته الاقتصادية.
ولا تقتصر الفوضى على هذين المعسكرين؛ فحضور محمود أحمدي نجاد كعامل غير متوقع يضيف مزيدًا من الغموض إلى حسابات السلطة، خصوصًا مع استمرار خلافاته القديمة مع القيادة الحالية، وما يتردد عن تكهنات خارجية بشأن دوره المحتمل في أي سيناريو ما بعد الأزمة.
في المحصلة، لم يعد ممكنًا قراءة صراعات النظام باعتبارها مجرد تنافس على المواقع. إنها تعبير عن ذعر بنيوي داخل سلطة تعرف أن معركتها ليست مع الخارج وحده، بل مع مجتمع يغلي في الداخل. ولذلك، فإن السؤال لم يعد هل يستطيع النظام الحفاظ على وحدته، بل أي جناح من أجنحته سيسرّع لحظة الانكشاف الكبرى.


