: آخر تحديث
مأزق المعيشة والسلاح المنفلت وحصار الأزمات الإقليمية:

حكومة الزيدي أمام اختبار المحاور

3
5
5

بعد أشهرٍ من السجال السياسي والمفاوضات المعقدة بين القوى المتنافسة، أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن تشكيل حكومته الجديدة، مصحوبةً بوعود تعهد فيها بإجراء إصلاحات اقتصادية شاملة، وتحسين الخدمات العامة، فضلًا عن مكافحة الفساد الذي نهش مؤسسات الدولة لسنوات طوال.

وتأتي الولادة القيصرية لهذه الحكومة في وقتٍ حرج يواجه فيه العراق جملة من التحديات المتراكمة؛ بدءًا من معضلتي البطالة وتهاوي البنية التحتية، مرورًا بأزمتي الكهرباء والمياه المزمنتين، وصولًا إلى التوترات السياسية والأمنية التي لم تنفكّ تلقي بظلالها القاتمة على المشهد الداخلي.

وإزاء هذا المشهد، وبالرغم من الترحيب الحذر الذي أبدته بعض الأوساط الشعبية والسياسية، فإن قطاعات واسعة من الشارع العراقي لا تزال تنظر إلى هذه الوعود بنوع من الريبة والتشكيك؛ لا سيما أن الحكومات المتعاقبة السابقة كانت قد رفعت شعارات مماثلة، دون أن تترجمها إلى تغييرات ملموسة تلامس واقع المواطن. فالأزمات اليومية لا تزال تضغط بقوة على حياة العراقيين، خصوصًا فيما يتعلق بالارتفاع الجنوني للأسعار، وشحّ فرص العمل، واستمرار الانقطاع الحاد في التيار الكهربائي مع لظى فصل الصيف؛ الأمر الذي يدفع الكثيرين إلى الجزم بأن نجاح التشكيلة الحكومية الجديدة سيُقاس حصرًا بقدرتها على تنفيذ خطوات عملية سريعة على الأرض، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات والوعود السياسية.

في المقابل، يؤكد مقربون من أروقة الحكومة أن المرحلة الحالية تختلف جذريًا عن السنوات الماضية، مشيرين إلى وجود خطط ومشاريع جاهزة لإعادة هيكلة بعض المؤسسات الحكومية المترهلة، وتحسين إدارة الموارد المالية، ومحاربة شبكات الفساد المنظم التي تستنزف الموازنات العامة للدولة.

شريان النفط ومأزق هرمز: التحدي الاقتصادي الأكبر
يمثل الإصلاح الاقتصادي في الداخل تحديًا مصيريًا بالنسبة إلى الزيدي وفريقه الوزاري، لا سيما في ظل الهزات المالية العنيفة التي يواجهها العراق إثر الانخفاض الحاد في الدخل القومي؛ والناجم بالدرجة الأولى عن الاضطرابات الملاحية في مضيق هرمز بفعل الأزمة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة. وتكمن خطورة هذا المنعطف في حقيقة أن صادرات النفط تمثل نحو 90 بالمئة من إجمالي إيرادات الميزانية العراقية.

في هذا السياق، أفادت تقارير اقتصادية متطابقة بأن العراق يواجه اختناقًا ماليًا كبيرًا جراء الأوضاع الإقليمية المتفجرة واعتماده شبه الكلي على الذهب الأسود، متوقعة أن تشهد الأنشطة الاقتصادية في البلاد تراجعًا ملحوظًا خلال عام 2026 نتيجة انخفاض مستويات إنتاج وتصدير النفط. واستندت هذه التوقعات إلى أرقام رسمية كشفت بالفعل عن انخفاض ملموس في صادرات العراق النفطية خلال شهر آذار (مارس) الماضي، جراء تذبذب واضطراب أسواق الطاقة العالمية.

أزمة الثقة مع الخليج: شظايا حروب الطائرات المسيّرة
وعلى الصعيد الخارجي، يبرز ملف إصلاح علاقات العراق مع دول الخليج العربية المجاورة كواحد من أعقد الملفات الساخنة الموضوعة على طاولة رئيس الوزراء الجديد. وكانت العديد من تلك الدول قد تقدمت باحتجاجات دبلوماسية متتالية خلال الحرب الأخيرة، على خلفية هجمات شنتها جماعات مسلحة مدعومة من طهران تنشط وتنطلق من الأراضي العراقية.

وشهدت فترة الحرب تحركات دبلوماسية عاصفة، حيث استدعت كل من الكويت، والمملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين، سفراء العراق لديها، وسلمتهم مذكرات احتجاج رسمية ومواقف إدانة شديدة اللهجة، إثر هجمات نفذتها فصائل عراقية مسلحة حليفة لإيران بواسطة طائرات مسيّرة اخترقت أجواءها.

في المقابل، لم تنفِ تلك الفصائل صلتها بالعمليات؛ بل أكدت في بيانات رسمية بصياغتها العسكرية أنها استهدفت ما أسمتها "أهدافًا معادية" في تلك الدول، حيث تبنت جماعات تحت لواء "المقاومة الإسلامية" و"تنسيقية المقاومة العراقية" هجمات متعددة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة طالت مواقع في الخليج، وتحديدًا في السعودية والكويت، ودعمت مواقفها بمشاهد مصورة بثتها عبر منصاتها الإعلامية.

معضلة السلاح المنفلت والاختراق الأمني: اختبار هيبة الدولة
بين مطرقة الضغط الدولي وسندان التوازنات الحزبية، يدخل المشهد السياسي والأمني في العراق مرحلة بالغة الحساسية، مع تصاعد النقاشات المصيرية حول ملف الفصائل المسلحة بوصفه العقبة الأكبر أمام حكومة علي الزيدي. وتجد الحكومة الجديدة نفسها في عين العاصفة وأمام اختبار سيادي صعب: فرض سلطة الدولة والقانون على السلاح، دون الانزلاق إلى مواجهة مسلحة مفتوحة قد تعمّق الانقسام الداخلي الطائفي والسياسي، أو تفكك التوازنات الحساسة القائمة في البلاد.

ويتزامن هذا المأزق مع تنامي الضغوط الشعبية والسياسية المطالبة بحصر القرار الأمني والعسكري بيد المؤسسات الرسمية والشرعية حصرًا، باعتبار ذلك الشرط الأساسي والوحيد لاستعادة هيبة الدولة المفقودة وتعزيز الاستقرار المستدام.

وما يزيد الطين بلة، ويضفي على المشهد مزيدًا من التعقيد والغموض، تلك التقارير الاستخباراتية والإعلامية التي تتحدث عن وجود قواعد ونقاط اختراق إسرائيلية داخل الأراضي العراقية؛ وهي تقارير تثير علامات استفهام كبرى وهواجس مقلقة حول مستوى الاختراق الأمني الشامل، وحدود الصراع الإقليمي المستعر على الساحة العراقية، وما إذا كانت البلاد مقبلة على موجة جديدة من التصعيد الدموي أو تحويلها إلى ساعي بريد لرسائل الردع المتبادلة بين القوى الإقليمية والدولية.

بين استحقاقات الداخل المنهك معيشيًا وضغوط الخارج الملتهب أمنيًا، تبدو حكومة علي الزيدي مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإثبات قدرتها على إدارة هذا الحقل من الألغام بحكمة بالغة وحزم صارم في آن واحد؛ لأن أي تراجع، أو ارتباك، أو مهادنة في هذه المرحلة، سيترك شروخًا سريعة ومباشرة على جدار الأمن، والسياسة، والشارع العراقي على حد سواء.

في المحصلة، لا تقف حكومة علي الزيدي اليوم أمام اختبار سياسي عابر، بل أمام امتحان وجودي يتعلق بقدرتها على استعادة ثقة العراقيين وترسيخ هيبة الدولة في الداخل والخارج. فنجاحها لن يُقاس بحجم الوعود أو الخطط المعلنة، وإنما بمدى قدرتها على معالجة الأزمات المعيشية، وتنويع مصادر الاقتصاد بعيدًا عن الارتهان للنفط، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة التوازن إلى علاقات العراق الإقليمية. وبين هذه التحديات المتشابكة، يبقى الزمن عاملًا حاسمًا؛ فإما أن تتحول الحكومة إلى نقطة انطلاق نحو الاستقرار والإصلاح، أو أن تجد نفسها أمام حلقة جديدة من الإخفاقات التي أثقلت كاهل الدولة والمجتمع على حد سواء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.