لي مع إيلاف عمرٌ لا يُقاس إلا بالعمر نفسه.
عقدان، وربما أكثر، بين الكتابة عنها، والكتابة فيها، والعمل معها، والابتعاد عنها، ثم العودة إليها. كأن بيني وبين هذا الاسم أُلفة لا تنقطع مهما تشعّبت الطرق
والحقيقة أن كثيرين من العارفين بروح "إيلاف" التي تعكس روح ناشرها يدركون ذلك جيدًا.
كنت من أوائل من اقتربوا من التجربة مبكرًا، في زمن كانت فيه الصحافة الإلكترونية تُعامَل بوصفها مغامرة غير مضمونة، بينما كان عثمان العمير يراها مستقبلًا عربيًا كاملًا لم يأتِ بعد.
وأذكر جيدًا أنني نشرت خبر إطلاق الصحيفة الإلكترونية العربية الأولى العابرة للحدود على الصفحة الأخيرة بجريدة الرياض، مبعثي المهني والصحفي الأول.
عملت مع العمير عن قرب، مع تأسيس وتنشيط مكتب الخليج في دبي، في زمن كانت فيه الصحافة الرقمية العربية تخطو أولى خطواتها.
لم يكن مجرد رئيس تحرير أو ناشر يُصدر التعليمات، بل كان حاضرًا في التفاصيل، والعناوين، والأخبار، وحتى التسريبات التي تتحول إلى حكايات مجتمعات. حاضرًا في الفكرة قبل المادة، وفي الإنسان قبل الصحفي.
واحتفلنا بأكثر من مناسبة وذكرى واجتماع، بين دبي والبحرين ولندن. مدن ثلاث تختلف في روحها وإيقاعها، لكن الخيط الإنساني كان واحدًا في كل مرة.
وتعلمت هناك ما هو أبعد من المهنة؛ تعلمت أن الإعلام الحقيقي لا يصنعه الخبر وحده، بل تصنعه العلاقات، والمرونة، والقدرة على الاختلاف دون خسارة الود.
وإن اختلفت مع أبو عفّان ذات مرة، سيلفتك درس جميل وأنيق سيبقى ربما الأهم: الكبار الحقيقيون لا يخشون اختلاف الآراء، بل يعرفون كيف يحافظون على المساحات الإنسانية حتى وسط التباينات، حيث قلوبهم مفتوحة كما عيونهم وعقولهم.
هذا النوع من العلاقات المهنية نادر، لأنه لا يبنيه المنصب ولا تهدمه المسافة.
واحدة من أعظم منجزات إيلاف أنها لم تكن مجرد منصة نشر، بل كانت مساحة عربية نادرة جمعت تحت سقف واحد ما لم تستطع أي وسيلة إعلامية عربية أخرى جمعه؛ وزراء، وخبراء، ومثقفون، وأدباء، وشعراء، ومتضادون فكريًا وسياسيًا، يكتبون في المساحة ذاتها دون أن تفقد الصحيفة هويتها أو توازنها.
كانت بحق “جريدة الجرائد”.
وهذا ليس صدفة مهنية، بل نتيجة عقل إعلامي كان يفهم مبكرًا أن قوة الصحافة ليست في صناعة النسخ المتشابهة، بل في قدرتها على احتواء الاختلاف، وإدارة التنوع، وخلق المساحات الإبداعية.
اليوم، حين تقترب إيلاف من يوبيلها الفضي، فالأمر ليس احتفالًا بخمسة وعشرين عامًا من النشر ومحركات البحث فقط.
إيلاف كانت إعلانًا مبكرًا عن زمن جديد، خرجت فيه الصحافة من الورق إلى الفضاء، ومن المحلية الضيقة إلى العربية الرحبة، ومن الصوت الواحد إلى اتساع الأسئلة.
المنصات الكثيرة قد تصنع ضجيجًا، لكن القليل فقط يصنع ذاكرة.
وبالمناسبة، لم تكن إيلاف محبوبة لدى الجميع، وكان لها أيضًا أعداء مخلصون في محاولات حجبها ومحاصرتها، لكنها استمرت… بينما ذهب كثيرون، وبقيت أبوابها مفتوحة.
وحين يُذكر اسم عثمان العمير، لا يُذكر بوصفه رئيس تحرير أو ناشرًا رقميًا عابرًا، بل بوصفه أحد الرجال الذين غيّروا شكل الصحافة العربية الحديثة.
كان يرى المستقبل مبكرًا، ويغامر مبكرًا، ويتحمّل الهجوم مبكرًا أيضًا، وهذه عادة الروّاد دائمًا.
أكتب هذا ليس وفاءً لعمر جميل وحسب، بل لمهنيٍّ ساطع منحنا الكثير من المساحات والتسامح، وترك فينا ما هو أبقى من المناصب والعناوين.
فالحياة أقصر من عتبٍ طويل، وأوسع بالبهجة، وأجمل حين تُعاش بخفة الذين يستمرون...
شكرًا لإيلاف،
ولكل قلمٍ مرّ منها،
ولكل فكرةٍ وُلدت فيها،
وشكرًا أبا عفّان…
لأنك كنت محرّضًا دائمًا على التفاؤل، وعلى المضي قدمًا، فلا وقت للضجيج.

