في خضم حرب أميركا - إسرائيل - إيران وتداعياتها الكبرى، كثرت الأصوات والمقالات والتحليلات التي تحدثت عن القتال والاقتصاد والتاريخ والملاحة والمماحكات السياسية وغيرها، لكن قلّت الأفكار التي تشرح إيران بشكل يساعد المهتمين على فهم التعقيدات المركبة داخل النظام الإيراني.
وسط هذا الخضم، كتب الدكتور عادل الطريفي، وزير الإعلام السعودي الأسبق، مقالًا بعنوان "نهاية ولاية الفقيه... من الإمام الغائب إلى المرشد الغائب" نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" في عددها الصادر يوم الأحد 20 نيسان (أبريل) 2026، رسم من خلاله لوحة سياسية تشرح فسيفساء المتشابكات الإيرانية، وضمّنها أسئلة كانت أحيانًا أكثر ذكاءً من الإجابات التي فصّلت وحلّقت بين الخط الزمني للحكم الإيراني والسلوك السياسي والأفكار والمناورات وغيرها.
عاد الطريفي بمقاله الموسّع بعد 8 سنوات، وكانت آخر مقالاته في "وول ستريت جورنال" الأميركية العريقة في آذار (مارس) 2018، عن نجاح تصدي السعودية للحركات الإسلامية المتطرفة.
ولا يكثر المختصون في الشأن الإيراني من الخليج، لأسباب قد يكون أبرزها ضيق مجالات العمل في هذا الحقل واقتصارها على الجانب الدبلوماسي أو الصحافي في مؤسسات محدودة، وقد يكون الطريفي من أندر السعوديين الذين قادوا مؤسسات إعلامية وتوسّدوا منصب وزير، وهو بمستوى تخصص أكاديمي وتجربة مهنية واطلاع ثقافي متبحّر في الشأن الإيراني، وفي الشؤون السياسية والتاريخية بشكل عام.
برزت خلال المقال مقاربة الطريفي لمسألة تنامي النزعة القومية الإيرانية لدى الحرس الثوري مقابل مشروع الإسلام السياسي الشيعي، إذ يرصد الكاتب تراجع المشروع الديني، ويقرأ بأنه بداية لسقوط فكرة "ولاية الفقيه"، وليس بالضرورة النظام أو الجمهورية نفسها.
ومن واقع الأسئلة التي أجاب عنها، ثم طوّر جسورًا تربط ما حدث منذ نشأة النظام بالحرب الأخيرة، ذهب الطريفي نحو تكسير فكرة النموذجين الصيني والباكستاني اللذين كانا يحدقان بمستقبل النظام الإيراني بعد خامنئي الأب قبل الحرب الأخيرة، ولم يتجاهل أيضًا كيف خدع النظام "الداخل الإيراني ودول الجوار والعالم بأسره، عبر تقديم ثنائية المنافسة بين الإصلاحيين والمحافظين"، والتي قال الطريفي إنها "لم تكن سوى تبادل أدوار لرموز السلطة الحاكمة".
براعة عادل الطريفي في قراءته للمشهد الإيراني لم تكن وليدة المتابعة الاعتيادية، وإنما جاءت في عين رسالته للدكتوراه التي حاز إجازتها من "كلية لندن للاقتصاد" العريقة عام 2009، وتبحّره وانخراطه البحثي والثقافي في قراءة الإسلام السياسي وحركاته، فضلًا عن قيادته أبرز مؤسسات الإعلام الدولي السعودية (مدير عام قناة "العربية"، وقبلها رئاسة تحرير صحيفة "الشرق الأوسط"، بعد رئاسة تحرير مجلة "المجلة").
وخرج الطريفي بفرضية يعتقد أنها ستتجه نحو مزيد من التشدد، إذ يقول: "لقد أثبتت الحرب الأخيرة أن الجمهورية الإسلامية، تحت الضغط، لا تتجه نحو التجديد أو الاعتدال، بل نحو مزيد من التطرف؛ أي إن النظام كلما اشتدت أزماته يعود، لا إلى «ولاية الفقيه»، بل إلى «ولاية الحرس»".
وعند تلك النقطة، ختم الوزير المقال بالقول: "لا تعود «ولاية الفقيه» هي العنوان الحقيقي للسلطة، بل مجرد غطاء أخير لسلطة باتت عسكرية في جوهرها، وأُسرية في رمزيتها، وعدوانية في سلوكها، وأشد هشاشة مما تبدو عليه في خطابها الرسمي".
عادل الطريفي في الشرق الأوسط:
نهاية ولاية الفقيه... من الإمام الغائب إلى المرشد الغائب


