أخطر ما خسره اللبناني في السنوات الأخيرة ليس المال ولا الاستقرار وحدهما، بل شعوره بأنه ما يزال مواطنًا داخل دولة. فالأزمة اللبنانية لم تعد مجرد انهيار اقتصادي أو اضطراب سياسي عابر، بل تحوّلت تدريجيًا إلى عملية استنزاف طويلة غيّرت علاقة الإنسان بنفسه، وبالمجتمع، وبفكرة الوطن ذاتها.
في زمن مضى، كان اللبناني يعيش السياسة بوصفها جزءًا من هويته اليومية. كانت المواقف السياسية تُناقش بحماسة في البيوت والمقاهي والجامعات، وكأن البلاد، بالرغم من انقساماتها، ما تزال تؤمن بأن الصراع السياسي قادر على إنتاج مستقبل مختلف. صحيح أن الحياة السياسية اللبنانية لم تكن يومًا نموذجًا مثاليًا للمواطنة الحديثة، إذ اختلطت فيها الطائفية بالزعامة، والمصلحة بالهوية، والتعبئة العاطفية بالحسابات الضيقة، لكن الناس، بالرغم من ذلك، كانوا يشعرون بأن لهم موقعًا داخل المجال العام، لا مجرد دور سلبي في احتمال الانهيار.
أما اليوم، فقد تبدّل المشهد بصورة قاسية. لم يعد معظم اللبنانيين يسألون إلى أين يتجه البلد، بل كيف يمكن النجاة من يوم إضافي داخل هذا الانهيار المفتوح. وهنا تحديدًا تكمن التحولات الأخطر: حين ينشغل الإنسان بتأمين الكهرباء والدواء والتعليم والحد الأدنى من الاستقرار، تتراجع السياسة من كونها مساحة للمشاركة العامة إلى ضجيج بعيد يدور فوق رؤوس الناس.
لا يعني ذلك أن اللبناني فقد اهتمامه الكامل بالشأن العام، بل إن الحياة اليومية نفسها أصبحت أثقل من قدرة كثيرين على الاستمرار في الاشتباك الدائم مع السياسة. فالإنسان الذي يقضي يومه في محاولة تأمين أساسيات العيش، لا يعود قادرًا دائمًا على التفكير بالمشاريع الكبرى أو المعارك الفكرية الطويلة.
شيئًا فشيئًا، انتقل اللبناني من موقع "المواطن" إلى موقع "مدبّر الحياة". لم يعد يفكّر بوصفه شريكًا في صناعة المجال العام، بل كفرد يحاول حماية ما تبقّى من توازنه الشخصي داخل بلد يتآكل باستمرار. وهذه ليست مجرد أزمة معيشية، بل تحول عميق في معنى الانتماء نفسه.
وربما لهذا استطاعت البنى الطائفية والحزبية أن تملأ جزءًا من فراغ الدولة، لا بوصفها حلًا حقيقيًا، بل كبديل هش يؤمّن الحد الأدنى من الاستمرار. فحين تغيب المؤسسات، يبحث الناس تلقائيًا عمّن يخفف عنهم وطأة العجز، حتى لو كان ذلك على حساب فكرة الدولة نفسها.
في السنوات الأخيرة، عاش اللبناني انهيارات متلاحقة: أزمة مالية خانقة، تراجعًا غير مسبوق في مستوى العيش، انهيار الخدمات الأساسية، هجرة جماعية للكفاءات والشباب، وخوفًا دائمًا من الانزلاق نحو حرب جديدة. ومع كل أزمة إضافية، كان يتراجع شيء آخر من فكرة "الحياة العامة"، لصالح غريزة البقاء الفردي.
المفارقة المؤلمة أن اللبناني، الذي كان يُعرف تاريخيًا بولعه بالنقاش السياسي، أصبح اليوم ينظر إلى السياسة بوصفها عبئًا نفسيًا إضافيًا لا يملك ترف الانغماس فيه. فالناس الذين يستهلكهم القلق اليومي لا يعودون قادرين دائمًا على حمل أثقال الخطابات الكبرى، مهما بدت شعاراتها مرتفعة.
لهذا لم يعد غريبًا أن يتحوّل كثير من الناس من مواطنين منشغلين بالشأن العام إلى أفراد يبحثون فقط عن مساحة آمنة داخل الفوضى. البعض يهاجر، والبعض ينسحب إلى عزلته الخاصة، والبعض يتقن مهارة التأقلم اليومي مع الانهيار، وكأن اللبناني بات يعيش داخل حالة طوارئ دائمة لا يعرف متى تنتهي.
لكن الأخطر من الانهيار نفسه هو الاعتياد عليه. فحين يعتاد الناس غياب الدولة، ويتعاملون مع الفوضى بوصفها قدرًا يوميًا، يصبح الخلل جزءًا من الحياة الطبيعية، لا صدمة تستدعي التغيير. وهنا تبدأ المجتمعات بخسارة شيء أعمق من الاقتصاد والسياسة: تخسر قدرتها على تخيّل مستقبل مختلف.
وربما لهذا السبب تبدو اللغة السياسية اللبنانية اليوم منفصلة عن الناس أكثر من أي وقت مضى. فالخطابات ما تزال تتحدث عن "الخيارات الوطنية الكبرى" و"التوازنات الإقليمية" و"المواجهات المصيرية"، فيما يعيش المواطن في عالم آخر تمامًا؛ عالم تُقاس فيه الحياة بعدد ساعات الكهرباء، وسعر الدواء، وإمكانية البقاء داخل الوطن من دون انهيار كامل للكرامة الشخصية.
إنَّ الأزمة اللبنانية، في جوهرها، لم تعد أزمة سلطة فقط، بل أزمة معنى. لأن الدول لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على شعور الناس بأن حياتهم ليست مجرد محاولة يومية لتفادي السقوط.
ولهذا، قد لا يكون السؤال اللبناني الأهم اليوم: كيف نوقف الانهيار؟ بل: كيف نستعيد الإنسان الذي استنزفته سنوات طويلة من القلق والتأقلم والخيبات المتراكمة؟
فالخطر الحقيقي على الأوطان لا يبدأ حين تضعف الدولة فقط، بل حين يفقد المواطن اقتناعه بأنه ما يزال مواطنًا، لا مجرد ناجٍ مؤقت داخل بلد يستهلك أبناءه ببطء.


