على الساحل الشرقي للإمارات، حيث تتعانق زرقة البحر مع هيبة الجبال، تقف دبا الفجيرة كقصيدةٍ قديمةٍ كتبتها الطبيعة بحبر الملح والريح. مدينة لا تشبه المدن العابرة؛ ففيها شيء من الحكمة التي يتركها البحر في عيون الصيادين، وشيء من الصلابة التي تنحتها الجبال في أرواح أهلها. هناك، كانت الأزقة الضيقة تحفظ حكايات البحّارة، وكانت النوافذ المفتوحة على الموج تعلّم الأطفال الإصغاء لصوت الحياة قبل الكلام.
في تلك البيئة المشبعة برائحة البحر، وهدير الأمواج، ودفء المجالس الشعبية، وُلِد محمد سعيد الضنحاني عام 1969، وكأن المكان كان يهيّئ منذ البدء روحًا ستنتمي للكلمة. لم تكن دبا الفجيرة مجرد مسقط رأسه، بل كانت معلمه الأول؛ منها تعلّم الإصغاء للحكاية، ومنها ورث حسّه الشعبي، وارتباطه العميق بالإنسان البسيط، وبالتفاصيل الصغيرة التي تتحول في الأدب إلى معنى خالد.
كبر الضنحاني بين البحر والجبل، فصار يحمل تناقضهما الجميل في شخصيته وإبداعه؛ رقّة البحر واتساعه من جهة، وصلابة الجبل وشموخه من جهة أخرى. ومن ذاكرة المكان استمد عالمه الفني، فظهرت البيئة الإماراتية في أعماله لا بوصفها خلفية للأحداث، بل ككائن حيّ ينبض بالمشاعر والأسئلة والحنين. كانت دبا بالنسبة إليه خزانًا روحيًا وثقافيًا، منها خرجت شخصياته، ولهجته، وصوره الشعرية، وحتى انحيازاته الإنسانية تجاه الإنسان المقهور والبسيط والحالم.
نال شهادة البكالوريوس في العلوم من جامعة الإمارات العربية المتحدة، غير أن قلبه ظل معلّقًا بالأدب والمسرح والشعر، فاختار أن يجعل من الكلمة وطنًا موازيًا، ومن الفن رسالة تنويرية تتجاوز حدود الترفيه إلى بناء الوعي والجمال. وقد جمع الضنحاني بين الثقافة والإدارة، فكان نموذجًا للمثقف الذي لم ينفصل عن قضايا مجتمعه، بل حملها معه إلى المؤسسات والمشاريع الثقافية والوطنية.
لم يكن الضنحاني متعدد الاختصاصات بدافع التنقل بين الفنون بقدر ما كان مدفوعًا بحاجته العميقة إلى التعبير عن الإنسان والحياة بأكثر من لغة إبداعية. فالشعر عنده كان صوت الروح، والمسرح مساحةً لطرح الأسئلة الكبرى، أما الدراما التلفزيونية فكانت نافذته للوصول إلى الناس وحكاياتهم اليومية. لذلك بدا وكأنه يكتب العالم بأشكال مختلفة، لكن بقلبٍ واحد ورؤية واحدة.
نشأ في بيئة غنية بالحكايات الشعبية والسرد الشفهي والتراث البحري والبدوي، فكوّنت هذه البيئة داخله حسّ الحكّاء والشاعر معًا. وكان شديد الإيمان بأن الفن لا ينبغي أن يُحبس في قالب واحد، لأن الإنسان نفسه كائن متعدد المشاعر والتجارب. لذلك جاءت تجربته الإبداعية متنوعة؛ فإذا ضاقت الفكرة عن القصيدة تحولت إلى مشهد مسرحي، وإذا اتسعت الحكاية خرجت في هيئة مسلسل درامي ينبض بالشخصيات والصراعات الإنسانية.
وقد ساعدته ثقافته الواسعة واحتكاكه المباشر بالمجتمع والناس، من خلال عمله الإداري والثقافي، على فهم النفس البشرية بمستوياتها المختلفة، فاستطاع أن يكتب الشعر بلغة وجدانية شفافة، ويكتب المسرح بعمق فكري ورمزي، ويكتب الدراما بروح قريبة من الناس وهمومهم. لهذا لم يكن التنوع في تجربته ترفًا فنيًا، بل ضرورة إبداعية فرضتها رؤيته للحياة والفن.
وكان يؤمن أن لكل فن رسالته الخاصة؛ فالشعر يحفظ الوجدان، والمسرح يوقظ الأسئلة، والدراما تؤرخ للناس وأحلامهم وتحولات المجتمع. ومن هنا تشكل مشروعه الثقافي بوصفه مشروعًا متكاملًا، لا يفصل بين الجمال والفكرة، ولا بين الفن والإنسان، لذلك بدا حضوره متفردًا في المشهد الثقافي الإماراتي والخليجي، ككاتب استطاع أن يمنح كل جنس أدبي جزءًا من روحه، دون أن يفقد صوته الخاص وهويته الإبداعية.
يشغل منصب مدير الديوان الأميري لصاحب السمو حاكم الفجيرة، كما يتولى منصب المدير العام لمؤسسة الفجيرة للاستثمار، إضافة إلى عضويته في عدد من المجالس والمؤسسات الوطنية، منها شركة الاتحاد للقطارات وبرنامج الشيخ زايد للإسكان ومجلس الإمارات للتنافسية.
وفي موقعه مديرًا للديوان الأميري في إمارة الفجيرة، لم يكن مجرد مسؤول إداري يدير الملفات والمراسلات، بل كان وجهًا إنسانيًا قريبًا من الناس، يحمل همومهم إلى القيادة بروح الابن الوفي لوطنه وأهله. وقد جمعته علاقة ثقة واحترام عميقة مع صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الفجيرة، تلك العلاقة التي بُنيت على الإخلاص والنزاهة في العمل، والقدرة على قراءة احتياجات المواطن، ونقل نبض الشارع بأمانة ووعي.
كان الضنحاني يدرك أن المناصب الحقيقية لا تُقاس بالسلطة، بل بالقرب من الناس، لذلك ظل بابُه مفتوحًا للوجوه البسيطة قبل أصحاب المناصب، يصغي للمحتاج، ويحتوي صاحب الشكوى، ويتعامل مع الجميع بتواضع الإنسان الذي لم تغيّره المكاتب الرسمية ولا الألقاب.
عرفه أبناء الفجيرة بإنسانيته العالية، وبساطته في الحديث، وحرصه على أن تكون المؤسسات جسورًا لخدمة الناس لا حواجز بينهم وبين حقوقهم، فكان في كثير من المواقف صوتًا للحكمة والرحمة، يسعى إلى حل المشكلات بروح أخوية، مؤمنًا أن المسؤولية الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان والشعور بآلامه قبل أي شيء آخر.
وفي الجانب الإبداعي، كتب المسرحية والقصيدة والدراما التلفزيونية، ونسج أعماله بلغة شاعر يعرف كيف يحوّل الألم الإنساني إلى جمال فني. من أبرز أعماله المسرحية: اليازرة، ياليل ما أطولك، الحفار، الليلة الأخيرة، فانوس، وشراع السموم، وهي نصوص امتازت بعمقها النفسي والاجتماعي، وتُرجمت إلى لغات متعددة وقدمت على مسارح عربية وعالمية.
أما في الدراما التلفزيونية، فقد كتب أعمالًا بارزة مثل للأسرار خيوط، وديمة، الغافة، مانتفق، والقياضة، الذي مثّل مشروعًا فنيًا وثقافيًا يستعيد الذاكرة الإماراتية بحب ووعي، ويؤكد أن الدراما ليست مجرد حكاية تُروى، بل هوية تحفظ ووجدان يُصان.
وفي الشعر، أصدر ديوانه صدفة، حيث تتجلى لغته الشفافة المشبعة بالحنين والأسئلة الوجودية، فيكتب الوطن كما لو كان قصيدة بحرية طويلة، ويكتب الإنسان كما لو كان موجة تبحث عن شاطئها الأخير.
ومن خلال قربنا من محمد سعيد الضنحاني في مراحل متعددة، أثناء تعاوننا في إقامة المؤتمرات الإعلامية بين جامعة عجمان وهيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، لم يكن حضوره يقتصر على صورة المسؤول أو المثقف المعروف، بل كان يترك انطباع الإنسان البسيط القريب من الجميع. كان يتعامل بروح ديمقراطية حقيقية، يصغي لكل الآراء مهما اختلفت، ويمنح العاملين معه شعورًا بأنهم شركاء في النجاح لا مجرد منفذين للمهام.
وبالرغم من المناصب الكبيرة التي كان يتقلدها، لم تكن بينه وبين الناس تلك الحواجز الرسمية الثقيلة التي يصنعها المنصب أحيانًا. بل على العكس، كان يدخل المكان بهدوء الإنسان الواثق لا المتعالي، ويتحدث بعفوية قريبة إلى القلب، حتى إن من يلتقيه للمرة الأولى لا يكاد يكتشف أنه يشغل موقعًا قياديًا مهمًا في إمارة الفجيرة. كان متعاونًا إلى أبعد الحدود، حاضرًا في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويؤمن أن نجاح أي عمل ثقافي أو إعلامي يبدأ من احترام الإنسان وتقدير جهده.
وأكثر ما يميز شخصيته تلك الإنسانية العالية التي تجعل الآخرين يشعرون بالارتياح بالقرب منه؛ فلا يتعامل بفوقية المسؤول، بل بأخلاق المثقف الحقيقي الذي يرى في التواضع قيمة إنسانية قبل أن يكون سلوكًا اجتماعيًا. لذلك بقي أثره في ذاكرة من عملوا معه مرتبطًا ببساطته وصدقه وهدوئه، وهي صفات نادرة حين تجتمع في شخصية جمعت بين المسؤولية والإبداع والحضور الثقافي الواسع.
هكذا ظل محمد سعيد الضنحاني ابن دبا الفجيرة الحقيقي؛ كلما اتسعت تجربته، عاد إلى المكان الأول، إلى البحر الذي علّمه الحلم، وإلى الجبل الذي علّمه الثبات، فصار واحدًا من أبرز الأصوات الثقافية في الخليج العربي، وصاحب مشروع إبداعي يرى في الفن رسالة حياة، وفي الكلمة جسرًا بين الإنسان وذاكرته ووطنه.


