يمر النظام الإيراني حاليًا بمنعطف وجودي، حيث لم تعد استراتيجية "التذاكي" مجرد أداة لإدارة الملفات، بل تحولت إلى عبء يسرّع من وتيرة الانهيار.
لقد تعمدت طهران اعتماد سياسة تجزئة الملفات كإطار تكتيكي مراوغ، مستميتةً في عزل الملف النووي عن سياق العقوبات والضغط الدولي؛ إدراكًا منها أن هذا الملف يمثل "جوهر المواجهة" الذي قد يؤدي إلى انهيار إمبراطورية الشعارات التي شيدتها لأربعة عقود، مما دفعها لممارسة ألاعيب دبلوماسية مكشوفة لشراء الوقت.
وبموازاة هذا الهروب الدبلوماسي، حاولت طهران تحصين موقفها بالتلويح بأوراق نفوذها البحري، مراهنةً على أن ورقة "مضيق هرمز" كفيلة بقلب الطاولة دوليًا، غير أن هذا الرهان ارتد وبالًا على طهران، لتتحول من أداة ضغط استراتيجي إلى سلاح انتحاري. وبالرغم من التبعات الاقتصادية العالمية التي أفرزها التوتر في هذا الممر الحيوي، كانت طهران الضحية الأولى لسياساتها؛ إذ صار الحصار البحري خانقًا لاقتصادها المنهك، مما جعل التهديد الإيراني قيدًا يوثق عزلتها أمام العالم.
هذا الانكشاف الاستراتيجي لطهران أمام المجتمع الدولي لم يبقَ محصورًا في حدود تهديداتها النووية أو البحرية، بل امتد تأثيره ليفكك بنية القرار السياسي الداخلي، الذي بات يعيش حالة من التشظي غير المسبوق. فبالرغم من أن الرئيس بزشيكان وأقطابًا من تيار قاليباف يحاولون تقديم واجهة "براغماتية" توحي بالرغبة في الانفتاح لتخفيف الضغط الدولي، إلا أنهم يصطدمون بصلابة نفوذ الحرس الثوري الذي استولى فعليًا على مقاليد السلطة.
في هذه الأثناء، تحول ظهور عباس عراقجي وحيدًا في واجهات التفاوض من دبلوماسي يمثل سياسة الدولة إلى أشبه ما يكون بـ"ناطق عسكري" يرتدي ثوب الدبلوماسية، مما يعزز القناعة الدولية بأن الطرف الآخر في المفاوضات ليس "سلطة سياسية" تمتلك القرار، بل "ثكنة عسكرية" تراوغ لكسب الوقت.
هذا التضارب في هيكل القرار جعل من المستحيل على النظام تقديم أي التزامات حقيقية، فكلما حاول السياسي التهدئة، نسف الحرس الثوري المسار الميداني، مما أفقد الطاولة التفاوضية أي مصداقية.
وسط هذا التخبط، تتجاوز الاستراتيجية الأميركية مرحلة "الاحتواء" الكلاسيكية لتنتقل إلى "تفكيك المفاصل". فالعمليات العسكرية الجراحية التي تستهدف المنشآت الحساسة وشخصيات بعينها لم تعد مجرد ردود فعل آنية أو رؤية لأي عمليات عسكرية قادمة، إنما سياسة ممنهجة تهدف إلى خلق فراغ في "العقل المدبر" للنظام وخاصة قيادات الحرس الثوري.
تدرك واشنطن أن الهشاشة الإيرانية لا تتطلب غزوًا شاملًا بقدر ما تحتاج إلى إزاحة مفاتيح السيطرة، وهو واقع يضاعف حالة الرعب داخل مفاصل النظام، لا سيما مع أزمة الشرعية التي تطارد المرشد الجديد مجتبى خامنئي. يأتي ذلك في ظل انقسام المؤسسة الدينية حول أهلية التوريث وتزايد التشكيك في آلية الاختيار، بالتزامن مع انهيار الوضع المعيشي، الأمر الذي حول المجتمع الإيراني إلى برميل بارود يترقب أي شرارة من الخارج لتغيير المعادلة.
ما يبدو واضحًا وفقًا لجميع التطورات والمعطيات هو تقاطع ضيق الحصار الخارجي مع تآكل الشرعية الداخلية ما يمهد الطريق إلى مشهد درامي لم يعد فيه الرهان على "المراوغة الدبلوماسية" ذا جدوى.
في المقابل، يرى المجتمع الدولي في "تذاكي" إيران خيارًا يائسًا للبقاء لا استراتيجية سياسية، في وقت فقد فيه النظام القدرة على تقديم تنازلات حقيقية خشية تفكك عصبة الحكم، وفقد في الوقت ذاته القدرة على الاستمرار في التصعيد لأن تكلفته تجاوزت احتمالات الدولة.
وهكذا، تجد طهران نفسها مدفوعة نحو خيارها الأخير: إما الانفجار الداخلي نتيجة صراع الأجنحة، أو الرضوخ التام أمام الضغط الأميركي الخانق، مما يؤذن بفصل الختام لتجربة سياسية استنزفت كل أوراق قوتها في رهان خاسر على الوقت.


