: آخر تحديث

تفكيك أسطورة التطبيع

2
2
2

من جرّب المجرَّب كان عقله مخرَّبًا.

هذا المثل ينطبق تمامًا على لبنان اليوم الذي يقف على أعتاب مرحلة مفصلية، بين خيار الدولة وخيار الدويلة، وبين منطق السلام الذي يحمي الناس، ومنطق السلاح الذي يستعملهم وقودًا في حروب لا قرار لهم فيها ولا تخدم مصالحهم.

كلما فُتح باب الحديث عن مفاوضات أو ترتيبات توقف الحرب بين لبنان وإسرائيل، يخرج علينا حزب الله ومن خلفه إيران، ومعهما جوقة التخوين المعتادة، ليتهموا الدولة اللبنانية بأن ما تمارسه في هذا الصدد هو "تطبيع". وكأنه يُطلب من اللبنانيين أن يبقوا أسرى كلمة تُستَغَل كسلاح سياسي وأخلاقي، لمنع أي محاولة لإخراج البلد من براثن الحرب والدمار ودوامة العزلة والانهيار.

في الحقيقة، إن هذا الاتهام فارغ من مضمونه. فالتطبيع، بالمعنى التقليدي للكلمة، يحتاج إلى دولة مركزية قوية، لا بل دولة متسلطة أحيانًا، قادرة على فرض إجراءات ثقافية واقتصادية واجتماعية على المجتمع، وعلى دفع المواطنين، عبر القانون أو بالقوة أو بذريعة المصلحة، إلى بناء علاقة مباشرة مع الطرف الآخر. هذا النموذج لا ينطبق على لبنان، لا في تركيبته، ولا في تاريخه، ولا في واقعه السياسي والاجتماعي.

لبنان ليس دولة ذات لون واحد، بل مجتمع متنوع لا يُقاد بالعصا، يضم طوائف ومذاهب وجماعات، لكل منها ذاكرتها ومصالحها وهواجسها وحساباتها. في لبنان من يرفض إرساء أي علاقة، وفيه من يريد فقط أن يعيش بأمان، وفيه من لا يريد إلا أن تتوقف الحرب، وفيه من يرى أن الأفضلية للاقتصاد، وفيه من يرى أن السيادة تأتي في المقام الأول. لذلك فإن أي اتفاق سلام أو وقف اقتتال، إذا حصل، لن يتحول تلقائيًا إلى "تطبيع" بالمعنى الذي يخيف به حزب الله الناس. لن يستيقظ اللبنانيون في اليوم التالي ليجدوا أنفسهم أمام اندماج ثقافي أو اقتصادي أو اجتماعي مفروض عليهم. هذا تبسيط سخيف، بل متعمد، هدفه إجهاض أي نقاش وطني جدي.

ما سيعنيه أي اتفاق، ببساطة، هو وقف الأعمال العدائية. أن يتوقف القتل وتبادل الهجمات والصواريخ؛ أي مَنع أي طرف، من هنا أو من هناك، من استعمال الذرائع لجر الناس إلى الحرب. أن تصبح الحدود حدودًا دولية، لا مسرحًا مفتوحًا لمغامرات ميليشياوية أو استكمالًا لهلال طائفي؛ ألا يحتكر قرار السلم والحرب تنظيم مسلح مرتبط بمشروع إقليمي، بل أن تتحكم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية بزمام الأمور المصيرية في البلاد.

وهنا يكمن جوهر المسألة. حزب الله لا يخاف من التطبيع بقدر ما يخاف من السلام. لأن السلام، ولو بالحد الأدنى، يسحب منه الذريعة الكبرى التي بنى عليها سلاحه ونفوذه وهيمنته. هو يعلم أن لحظة توقف الحرب هي لحظة طرح السؤال الحقيقي: لماذا التمسك بهذا السلاح؟ ما هي وظيفته وضد من يُوَجَّه؟ من قرر الذهاب للحرب؟ وباسم من؟ وما هو الهدف من هذه المغامرات الانتحارية؟

لقد قيل للبنانيين طوال سنوات إن هذا السلاح يحميهم. لكن التجربة أثبتت العكس. هذا السلاح لم يحمِ لبنان، بل جعله ساحة اقتتال مفتوحة. لم يحمِ الجنوب، بل جعل منه أراضيَ مستباحة ومحتجزة. لم يحمِ الشيعة، بل دفّعهم ثمن الحروب تهجيرًا ودمارًا. أما مقولة "المقاومة" تدافع عن لبنان لم تعد تقنع إلا من يريد أن يتعامى عن الواقع. فالسلاح الذي يستجلب الحروب إلى مخادع الناس، ثم يطلب منهم أن يصبروا ويضحوا ويصمتوا، ليس سلاح حماية؛ إنه عبء، بل لعنة سياسية وأمنية واجتماعية.

والأخطر أن حزب الله يريد احتكار تعريف الوطنية. فمن يرفض الحرب يصبح خائنًا. ومن يطالب بالدولة يصبح عميلًا. ومن يدعو إلى حماية الناس يصبح مطبعًا. هذه ليست وطنية، هذه مصادرة للوطن وانتهاك لمفهوم الوطنية. الوطنية الفعلية اليوم هي المجاهرة بأن لبنان ليس منصة لصواريخ إيران، وليس ورقة تفاوض في يد الحرس الثوري، وليس مجتمعًا كُتِبَ عليه أن يعيش قسرًا وإلى الأبد تحت تهديد وترهيب الحروب.

إن غالبية اللبنانيين، بمن فيهم شريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية الذين دفعوا أثمانًا باهظة من تهجير وخوف وخسائر، يعرفون أن استمرار هذا المسار لم يعد مقبولًا. الجنوبيون يريدون العودة إلى بيوتهم، وإدماج أطفالهم في المدارس من جديد واسترجاع موارد رزقهم وتأمين الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتنعم بالاستقرار والأمن والأمان. المواطنون يريدون دولة لا بيانات عسكرية، حدودًا دولية لا جبهات حرب. إنهم يريدون جيشًا واحدًا لا جيوشًا داخل الدولة. وهذه المطالب ليست تطبيعًا، بل هي أدنى مبادئ وحقوق العيش الكريم في أي بلد عريق، سيادي ومنضبط.

أما إيران، فهي آخر من يحق له إعطاء اللبنانيين دروسًا في السيادة. فالمشروع الإيراني في لبنان لم يبنِ دولة، بل قوّض النظام. لم يحمِ المؤسسات، بل أضعفها. لم يعزز كرامة اللبنانيين، بل أدخلهم في عزلة وصراعات لا تنتهي. وما يسمى "محور المقاومة" تحوّل في الواقع إلى محور إنهاك للشعوب، من لبنان إلى سوريا إلى العراق واليمن.

لذلك يجب رفض الابتزاز اللفظي من أساسه. ليست كل محاولة لوقف الحرب تطبيعًا. وليست كل مفاوضات خيانة. وليست كل تسوية تنازلًا. هناك فرق شاسع بين الاستسلام وبين حماية البلد من الانتحار الجماعي. وهناك اختلاف كبير بين أن تبيع الدولة سيادتها، وبين أن تستعيدها من يد السلاح غير الشرعي.

لبنان بلد يحتاج إلى سلام يحميه، لا إلى شعارات تدمّره. يحتاج إلى دولة قوية سيادية، لا إلى ميليشيا تجرّ الأمة إلى التهلكة. لبنان يحتاج إلى جيش واحد موحد، وإلى قرار واحد متماسك، كما ويجب أن تتفوق المصلحة الوطنية العليا على مصالح المحاور. ومن يريد أن يمنع الدولة من القيام بدورها بحجة التطبيع، إنما يريد إبقاء لبنان رهينة الحرب، لأن الحرب هي البيئة الوحيدة التي تبرر وجوده وسلاحه.

في النهاية، السلام ليس حبًا ولا وهمًا ولا اندفاعًا عاطفيًا. السلام، في حالة لبنان، هو ضرورة وطنية ملحة لإيقاف هذا النزيف اللامتناهي والحد من الخسائر البشرية. أما التطبيع الذي يخيفوننا به، فلن يُفرض على مجتمع لبناني متنوع ومعقد ولا يقبل الوصاية بسهولة. ما يجب أن يُفرض، وبإرادة وطنية واضحة، هو نهاية وجود السلاح خارج الدولة، ونهاية استخدام لبنان منصة لحروب الآخرين على أرضه.

لقد جرّب اللبنانيون طريق حزب الله وإيران، فكانت النتيجة خرابًا فوق خراب. وربما حان الوقت كي يجرّبوا طريق الدولة. ليس لأن الدولة كاملة، بل لأنها وحدها الإطار القادر على حماية الجميع. أما من يصرّ على إعادة التجربة نفسها، فهو لا يدافع عن لبنان، بل يدافع عن حقه في تخريبه باسم المقاومة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.