إيلاف من لندن:تباحث خبراء ودبلوماسيون رفيعو المستوى،يمثلون “النادي النووي الخماسي”(الولايات المتحدة،روسيا،الصين، فرنسا، وبريطانيا)، في سرية تامة بالدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية، حول الملف الأكثر خطورة على مستقبل البشرية، وذلك بهدف الحد من انتشار الأسلحة النووية وتقليص مخاطرها الاستراتيجية.
وجاء هذا التأكيد على لسان نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، الذي كشف، في تصريحات لوسائل إعلام روسية مساء الجمعة، أن خبراء نوويين من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن اجتمعوا في المغرب الأسبوع الماضي، تحت تنسيق بريطاني. وأبرز ريابكوف أن قنوات الحوار في هذا الإطار “لم تتجمد بالكامل”، رغم تدهور العلاقات الدولية إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة.
وأشار الدبلوماسي الروسي إلى أن لقاء الدار البيضاء اكتسب أهمية استثنائية بالنظر إلى سياقه الدولي المتوتر، موضحاً أن “القوى الخمس تخوض صراعات مباشرة وغير مباشرة على أكثر من جبهة، بدءاً من الحرب في أوكرانيا، مروراً بالتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، ووصولاً إلى ملف الاستقرار في المحيطين الهندي والهادئ”.
كواليس “الأبواب المغلقة” والتحضير لمؤتمر نيويورك
وأوضح ريابكوف أن جدول أعمال الاجتماع ركز أساساً على التحضير لـ”مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية” المرتقب عقده في نيويورك. وتسعى هذه اللقاءات المغلقة إلى بلورة تفاهمات دنيا تحول دون أي تصعيد نووي غير مقصود، إلى جانب تقييم آليات الرقابة الدولية وضمانات السلامة، ومناقشة قضايا حظر التجارب النووية وتنفيذ المادة الرابعة من المعاهدة.
وتعكس هذه الاجتماعات المكثفة أن “الدبلوماسية الصامتة” قد تمثل الملاذ الأخير لتفادي الانزلاق نحو المجهول. ولم يكن اختيار المغرب لاحتضان هذا اللقاء بين الوفود المتنافسة وليد الصدفة، بل جاء وفق حسابات دقيقة من القوى الكبرى، ولا سيما بريطانيا التي تولت تنسيق هذه الدورة.
لماذا المغرب؟
وحول أسباب اختيار الدار البيضاء لاحتضان هذا الاجتماع الحساس، أفادت وسائل إعلام روسية ومراقبون بأن القرار استند إلى اعتبارات استراتيجية عدة، أبرزها الموقع المتوازن للمغرب وعلاقاته التاريخية الوثيقة مع المعسكر الغربي، ممثلاً في واشنطن ولندن وباريس، مع احتفاظه في الوقت ذاته بقنوات دبلوماسية واقتصادية مستقرة ومحترمة مع موسكو وبكين.كما يحظى المغرب بسمعة دبلوماسية قائمة على“الوساطة الهادئة” والقدرة على إدارة الملفات المعقدة بعيداً عن الضجيج الإعلامي وضغوط الرأي العام الدولي. ويأتي ذلك في وقت تمكنت فيه الدبلوماسية المغربية، أخيراً، من رئاسة المؤتمر الأممي الخاص بإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
من أنفا 1943 إلى الدار البيضاء 2026… التاريخ يعيد نفسه
ويعيد هذا الاجتماع“السري للغاية”إلى الأذهان مؤتمر أنفا الشهير سنة 1943،حين احتضنت الدار البيضاء قادة الحلفاء،الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل،لرسم ملامح نهاية الحرب العالمية الثانية.
واليوم، تعود المدينة نفسها لتستضيف القوى الكبرى في محاولة لمنع خطر “الفناء المشترك” عبر بوابة الردع النووي.
ويرى محللون سياسيون أن احتضان المغرب لهذا اللقاء يكرس مكانته باعتباره“مُيسِّراً دولياً”موثوقاً وأرضية آمنة للحوار بين الخصوم،كما يشكل اعترافاً ضمنياً من القوى الكبرى بقدرة المملكة على توفير مناخ من “الحياد الإيجابي” في أكثر الفترات حساسية في السياسة الدولية.
ويؤكد لقاء الدار البيضاء أنه،مهما بلغت حدة الخلافات بين العواصم الخمس،فإن هناك ملفات مصيرية تفرض على الجميع الجلوس إلى طاولة الحوار،ويبدو أن هدوء المحيط الأطلسي وفر المناخ الملائم لخفض حرارة الملف النووي الشديد السخونة.


