لبنان ليس في أفضل أحواله، وهذا معروف للقاصي والداني. جزء من أراضيه تحت الاحتلال الإسرائيلي مجدداً بعد أن كان قد تحرر سنة 2000 دون قيد أو شرط ودون اتفاقية سلام أو حتى اتفاقية ترتيبات أمنية، وهو إنجاز غير مسبوق قياساً إلى ما حصل على الجبهات العربيّة الأخرى. حرب الإسناد الأولى (2023) والثانية (2026) أنهكتا اقتصاده المنهار أصلاً بعد الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى، وبعد انفجار ميناء بيروت وجائحة «كورونا» ناهيك بالفساد المستشري وغياب الرؤى والخطوات الإصلاحية. حتى الاستحقاق النيابي الديمقراطي تأجل لعامين في خطوة تراجعيّة كبيرة إلى الخلف.
وإذا كان غير العدل القول إن الكثير من الآمال التي علقت على العهد الجديد والحكومة التي ولدت معه قد تبددت، فإن مؤشرات الانقسام اللبناني آخذة في التعمق والاتساع وهي تنذر بعواقب خطيرة، لا سيما أن العامل الإسرائيلي عاد بتأثير قوي ليحرّك الكثير من الوقائع المتصلة بالداخل اللبناني، ليس من ناحية إعادة إحياء لغة التخوين المقيتة، بل من زاوية اللعب على أوتار ذاك الانقسام وتغذيته بشكل أو بآخر، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
لذلك، يلاحظ المراقب أن ثمة خطاباً سياسياً لبنانياً يجنح نحو تبرئة إسرائيل من كل ما ارتكبته وترتكبه، من استهداف المدنيين إلى ضرب المستشفيات وفرق الإسعاف، إلى تسوية القرى بالأرض (ولا تزال) إلى خرق السيادة اللبنانيّة يومياً في البحر والبر والجو. في المقابل، ثمة خطاب آخر يرفض الاعتراف بأن «توازن الردع» الذي تغنّى به منذ 2006 إلى 2023 قد سقط باغتيال قادة «حزب الله»، والتوغل البري، وضربة أجهزة «البيجر» وكل الخطوات الأخرى التي أعادت لبنان سنوات إلى الوراء.
وبين هذا وذاك، امتد الخلاف أيضاً إلى مسألة التفاوض، وما إذا كان مسار إسلام آباد يحقق الاستقرار للبنان أم مسار واشنطن التي تستضيف الحوار اللبناني - الإسرائيلي المباشر. وفي الحالتين كلتيهما، لا تزال إسرائيل تنتهك يومياً وقف إطلاق النار وتواصل تدمير قرى الجنوب اللبناني واستهداف بيوت المدنيين والأبرياء من دون رادع.
وإذا كان قسم من اللبنانيين يعتبر أن مسار واشنطن هو المسار الإنقاذي الوحيد الذي يفترض الركون إليه للخروج من المحنة الراهنة، فلربما ينطلق ذلك من أن إيران تحقق أولاً وأخيراً مصالحها الخاصة، ولو أنها تضيف البند اللبناني إلى محادثاتها. ولكن لا مفر من التوقف عند بعض مضامين «الإطار الثلاثي» الذي تم الإعلان عنه في واشنطن لمعالجة مسألة الحرب الإسرائيليّة على لبنان ومستقبل مساراتها.
ثمة فجوات عميقة في النص لا يمكن إشاحة النظر عنها أو تبريرها بأنها انعكاس لموازين القوى الراهنة، أو أنها ليست اتفاقاً نهائياً بل مجرد «إطار». ولعل أولاها الإغفال التام لاتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل سنة 1949 التي أدت إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها بحيث وصل عدد القرى المحتلة آنذاك لنحو 19 قرية، ودام احتلالها من 27 أكتوبر (تشرين الأول) 1948 إلى نهاية فبراير (شباط) 1949 بعد اتفاق الهدنة.
وإذا كان من أمر يُسجّل لهذه الاتفاقية فهي أنها جمّدت حالة الحرب وأدت إلى تحرير الأراضي اللبنانيّة، ويمكن لمؤيدي مسار واشنطن من غير المكترثين لهذه الاتفاقية أخذ هذه المسألة في عين الاعتبار واستخدامها لصالحهم. كما شكلت هذه الاتفاقية (رغم قدمها) مرتكزاً للعديد من النصوص السياسيّة المهمة؛ من أبرزها اتفاق الطائف (1989) الذي أنهى الحرب اللبنانية وأدخل العديد من الإصلاحات على النظام السياسي اللبناني وأصبحت مضامينه جزءاً من الدستور اللبناني. كما وردت في متن القرار 1701 وفي خطاب القسم لرئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون وفي البيان الوزاري لحكومة العهد الأولى برئاسة الدكتور نواف سلام.
من هنا، لا يمكن القفز فوق هذه الاتفاقية واعتبارها لم تكن، حتى ولو أن إسرائيل قد انسحبت منها أحادياً بعد حرب عام 1967، فهي تشكل اعترافاً بالحدود اللبنانية وعدم التعدي عليها ووقفاً للحرب أو أقله تجميداً لها بانتظار تبلور مسار عربي متكامل لا يمكن للبنان أن يكون خارجه، لا بل الخيار اللبناني الوحيد هو أن يتحصن خلف موقف عربي في هذا المجال. فالدعم السعودي والمصري والأردني والقطري والسوري ضروري له في هذه اللحظات الصعبة.
ويشكل أيضاً غياب جدول زمني محدد للانسحاب العسكري الإسرائيلي من القرى التي احتلها في جنوب لبنان عقبة كبيرة في مجال الحل، لأنه يعطي الجيش الإسرائيلي أرجحية عسكرية إلى جانب الأرجحية الميدانية التي يمتلكها من خلال الاحتلال، ويخضع الجيش اللبناني لاختبار لا يجوز أن يخضع له عسكرياً أو حتى معنوياً. وهنا مشكلة المناطق التجريبية التي ستولد احتكاكاً بين الجيش اللبناني والأهالي، وهو ما تريده إسرائيل، كما أنها سوف تجعل الجيش تحت رحمة الموافقة الإسرائيلية على هذه الأرض أو تلك.
قياساً إلى هذا المسار، قد يتطلب الانسحاب العسكري الإسرائيلي سنوات طويلة قبل إتمامه، وفي هذا الوقت سوف تتعمق الانقسامات اللبنانية الداخلية وتنذر بقلاقل متنقلة إن لم نقل الانفجار الكامل على الصعيد الداخلي. وبطبيعة الحال، يتعزز هذا المناخ من خلال صعوبة إعادة الإعمار نتيجة عدم حسم الملف الأمني والعسكري في قرى الجنوب واستمرار المراوحة والمراوغة في الانسحاب، ونتيجة عدم توفر الأموال الكافية لذلك.
لأجل كل ذلك، من الضروري إعادة فتح النقاش الوطني حول الخيارات المستقبلية وسبل التعامل مع التحديات القائمة، وتوحيد الجهود الداخلية للعمل في هذا الإطار بعيداً عن التخوين من جهة، وعن الهرولة من جهة أخرى.

