: آخر تحديث

تحالف السلام

4
4
3

في أوقات التوتر تتكشف حقيقة الخيارات الكبرى، ويظهر السلام بوصفه مشروعاً يحتاج إلى إرادة تحميه، ورؤية تدافع عنه، وشركاء يؤمنون بأن الاستقرار قيمة تستحق العمل من أجلها، وخلال الأسابيع الماضية سادت أجواء من التفاؤل الحذر في المنطقة، وتحركت التجارة بوتيرة أكثر انتظاماً، واستعادت الأسواق جانباً من ثقتها، وحضر الهدوء في كثير من النقاشات السياسية والاقتصادية، ثم عادت التوترات لتفرض حضورها من جديد، وعادت معها الأسئلة حول مستقبل الأمن الإقليمي ومسار الاستقرار في الخليج.

كتب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في مؤلفه الشهير اللفياثان: "حياة الإنسان في حالة الحرب تكون منعزلة وفقيرة وقذرة ووحشية وقصيرة"، ويبدو هذا الوصف قريباً من كثير من المشاهد التي تظهر كلما تراجعت فرص التفاهم السياسي واتسعت مساحة التصعيد، فالحرب تترك آثارها في الاقتصاد والأمن والاستثمار وحركة المجتمعات، فيما يفتح الاستقرار أبواباً أوسع للنمو والتعاون والتنمية.

المنطقة اليوم أمام لحظة تتطلب رؤية أكثر اتساعاً لمفهوم السلام، فالمسألة تتجاوز الرغبة في التهدئة إلى بناء موقف جماعي يحمي الاستقرار ويعزز فرص استمراره، ويبرز هنا الحديث عن تحالف للسلام يجمع الدول التي تنظر إلى الأمن الإقليمي باعتباره مصلحة مشتركة، ويرسخ ثقافة الحوار، ويدعم المبادرات السياسية، ويمنح صوت الاعتدال مساحة أكبر في مواجهة دعاة التصعيد.

وتحمل التطورات الأخيرة إشارات واضحة إلى وجود أطراف تنظر إلى الفوضى باعتبارها مساحة لتحقيق المكاسب، كما تحضر تيارات متشددة في أكثر من اتجاه سياسي، وتدفع نحو مواقف أكثر حدة، وتبحث عن توسيع دوائر التوتر، وفي المقابل، تتمسك دول الخليج بخيار الاستقرار، وتواصل العمل ضمن مسارات سياسية ودبلوماسية تعكس حرصاً على حماية المنطقة من موجات جديدة من الاضطراب.

ويحتاج السلام إلى أدوات تحميه بقدر حاجته إلى النوايا الحسنة، فالمبادرات السياسية، والتنسيق الأمني، والتعاون الاقتصادي، والعمل الدبلوماسي المشترك، تمثل جميعها عناصر أساسية في أي مشروع إقليمي يسعى إلى ترسيخ الاستقرار. كما أن الرسائل الجماعية الصادرة عن الدول المعتدلة تمنح هذا المسار زخماً أكبر وتؤكد حضور إرادة سياسية داعمة للتهدئة.

ويبقى الحوار المسار الأكثر قدرة على جمع المصالح وتخفيف التوترات، فالعالم لمس خلال فترات الهدوء انعكاسات إيجابية على الاقتصاد والتجارة والاستثمار وحركة التنمية، وتبقى الحاجة قائمة إلى تغليب الحكمة، وخفض مستويات الخطاب المتشدد، وفتح مساحات أوسع للتفاهم، فالمنطقة تملك فرصة حقيقية لصياغة مرحلة أكثر استقراراً، وتحالف السلام قد يكون أحد أهم العناوين القادرة على حماية هذه الفرصة وترسيخها في المستقبل.

وتفتح عودة الاعتداءات الأخيرة الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً في المشهد الإقليمي، إلا أن كثيراً من التقديرات الصادرة عن مراكز الأبحاث وكتّاب الشؤون الدولية ما زالت ترى أن التصعيد الحالي قد يشكل محطة ضغط متبادلة تسبق جولة جديدة من الاتصالات السياسية، وتشير القراءات المتداولة في الصحافة الأميركية والأوروبية إلى أن الأطراف المعنية تدرك حجم الكلفة الاقتصادية والأمنية المترتبة على استمرار المواجهة، خصوصاً مع تأثر الملاحة البحرية وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، كما تتجه التوقعات نحو تنامي دور الدول الخليجية في دعم مسارات التهدئة وصياغة مبادرات تحفظ الاستقرار الإقليمي، فيما يبقى نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة الأطراف كافة على احتواء الأصوات المتشددة وإعادة فتح قنوات الحوار خلال المرحلة المقبلة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد