ليلى أمين السيف
إذا أردت أن تعرف الفرق بين الواقع والبيروقراطية فلا تقرأ كتاباً في الفلسفة.
يكفي أن تنتظر اتصالاً من مكتب العمل لتدرك أن أحدهم نجح في إقناع النظام أن الواقع مجرد وجهة نظر.
مؤخراً تلقيت اتصالاً روتينياً من موظف مكتب العمل لمناقشة وضعي كباحثة عن عمل.
لم تكن المفاجأة في المكالمة، بل في أن الموظف كان أكثر إنسانية من النظام الذي يتحدث باسمه. كان مهذباً إلى درجة جعلتني أحار: هل أناقشه أم أعتذر له لأنه يؤدي دوراً في مسرحية لم يكتبها؟
سألني عن صحتي قلت له إنني أستخدم المشاية وإن الطبيب سبق أن نصحني بعدم العمل حتى أتعافى وإن لدي ثلاث إصابات عمل وإنني لا أستطيع القيام بالأعمال الشاقة.
أبدى تعاطفاً كبيراً ثم قال بحماس الموظف الملتزم:
«علي أن أذكرك أنه ينبغي عليك أن تبحثي عن عمل في جميع أنحاء السويد وليس في مدينتك فقط أو في تخصصك، بل يجب عليك أن توسعي دائرة البحث».
توقفت قليلاً ظننت أن المكالمة انقطعت أو أن الرجل لم يسمع كلمة «مشاية» أو أن سويديتي خانتني هذه المرة ككل مرة.
لكن لا لقد سمع جيداً فما إن أنهى جملته التالية حتى أيقنت أن المشكلة لم تكن في أذنيه، بل في النظام الذي يتحدث باسمه.
ففي هذا النظام لا فرق بين من يمشي على قدميه ومن يمشي بعكاز ومن تمشي به المشاية. الجميع يستطيع السفر من يونشوبينغ إلى كيرونا بمجرد قوة الإرادة.
ثم أخبرني أن عليّ أن أتقدم إلى وظائف في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمووأوربرو ولوليو وكيرونا حتى أقصى الشمال السويدي.
لم أسأله عن ثمن التذكرة؟
ولم أسأله أين سأنام؟
ولم أسأله كيف سأعيش حتى أول راتب؟
لأنني اكتشفت أن هذه الأسئلة تنتمي إلى كوكب آخر لا يعترف به النظام.
النظام لا يهتم أين ستنام.
المهم أنك ضغطت على زر تقديم الطلب.
ثم اكتشفت أنني كنت أفهم البحث عن عمل بطريقة خاطئة طوال حياتي.
كنت أظن أن الإنسان يبحث عن وظيفة تناسب خبرته ومؤهلاته وحالته الصحية ومكان إقامته. واتضح أنني متأخرة عن العصر.
فالمعيار الجديد لا يسأل: هل تستطيع القيام بالعمل؟
ولا يسأل هل لديك المؤهلات؟
ولا يسأل هل صاحب العمل أصلاً يبحث عن شخص بمواصفاتك؟
ولا حتى هل تستطيع الوصول إلى مكان العمل؟
كل هذه الأسئلة صالحة في عالم الواقع أما هنا فنحن في عالم اللوائح.
فاليوم السؤال الوحيد الذي يهم النظام هو:
كم طلب توظيف أرسلت هذا الشهر؟
أما إذا كانت الوظيفة تحتاج إلى طبيب وأنت خباز.
أو تحتاج إلى مهندس وأنت معلم.
أو تقع في مدينة تبعد ألف كيلومتر ولا تملك فيها حتى مقعداً تنام عليه.
فذلك مجرد تفصيل صغير لا ينبغي أن يعكر صفو الإحصاءات.
فالطلبات مثل أوراق اليانصيب كلما زاد عددها بدا المشهد أكثر نجاحاً حتى وإن كان الجميع يعرف أن معظمها سينتهي في سلة المهملات بعد ثوان من وصوله.
وعندما سألته:
«كيف أتقدم لوظيفة أعرف يقيناً أنني غير مؤهلة لها؟»
لم يقل إنني مخطئة.
ولم يحاول إقناعي.
بل اعترف بكل هدوء أن القوانين لا تشبه الواقع.
بل قال شيئاً أخطر من ذلك.
قال إن معظم موظفي مكتب العمل يرون أنها غير منطقية.
تخيلوا المشهد.
المواطن يعرف أن القوانين غير واقعية.
والموظف يعرف أنها غير واقعية.
والموظف يعرف أن المواطن يعرف.
والمواطن يعرف أن الموظف يعرف أنه يعرف.
ثم يجلس الاثنان ساعة كاملة يمثِّلان مسرحية اسمها.
«البحث الجاد عن عمل».
قلت له في النهاية
«إذن نحن نخدع النظام؟»
فتوقعت أن يغضب أو يصحح عبارتي أو يدافع عن القوانين لكنه فاجأني باعتراف يصلح أن يدرّس في كليات الفلسفة:
«أنا أتفق معك مئة بالمئة لكن هذه هي القواعد».
يا لها من جملة عظيمة. جملة تصلح أن تكون شعار المرحلة.
بل أقترح أن تُكتب تحت شعار الدولة.
«نحن نعلم أنها لا تعمل لكننا نطبقها بإتقان».
أعتقد أن النظام لا يريد موظفين ولا يريد عاطلين يعملون.
إنه يريد شيئاً أبسط بكثير يريد إحصائية جميلة آخر الشهر.
مليون طلب توظيف ولو كان نصفها مرسلاً إلى وظائف لا تناسب أصحابها والنصف الآخر في مدن لا يستطيعون الوصول إليها.
وفي نهاية المكالمة، تمنى لي الموظف الشفاء أما أنا فتمنيت أن يُكتب في التقرير الطبي: «المريضة قابلة للتعافي أما النظام فحالته مزمنة».

