: آخر تحديث

أنا وظلّي.. ثالثنا السؤال ..!

5
5
5

إذا كانت الشمس كلَّ صباحٍ تنشئ من جسدي هذا الكائنَ الصامت الذي يسمّونه ظلًّا، فما الذي كانت تُخفيه عنّي طوال الليل؟ وما الذي كان يفعله في الجهات التي لا تبلغها عينٌ ولا يطولها ضوء؟

هكذا كلما أشرقت الشمس خرجت إلى الباب، لأراه يمتد أمامي مثل سيرةٍ تسبق صاحبها، أو مثل حياةٍ أخرى أُعطيت لي ولم أعشها كاملة.. يمضي أمامي واثقًا كأنه يعرف الطريق أكثر مني، ثم لا يتخلّف عني حين أمضي، ولا يتقدّم عليّ حين أتوقف، ولا يفعل في ظاهره إلا ما أفعل، حتى ليبدو أن بيننا عهدًا قديمًا لم أوقّعه ولم أنقضه...!

يا لهذا الظل الذي عاش معي أكثر مما عاش معي الناس، ورأى من انكساراتي ما لم يره أحد، ووقف على أبواب أعوامي كلها دون أن يشي بسرٍّ واحد منها، كم من مرةٍ ظننته مجرد أثرٍ للضوء، ثم اكتشفت أنه أثرٌ للعمر نفسه، وأنه ليس ابن الشمس كما نتوهم، بل ابن الرحلة الطويلة التي تمشيها الروح بين ميلادها وفنائها.

يتكرر المشهد كل صباح حيث تشرق الشمس فينبت الظل من رماد الأيام وعوادم العثرات، داكنًا كذاكرةٍ لا تنسى، وصامتًا كحكمةٍ لا تُقال، يتبعني إلى ما أعرف وإلى ما أجهل، وأتبعه إلى ما أريد وما لا أريد، حتى كأننا مسافران في طريقٍ واحد، أحدنا من لحمٍ ودم، والآخر من غيابٍ وشكّ!

وكم أدركت، وأنا أتأمله على الجدران والأرصفة وعتبات البيوت، أن له عمرًا أكبر من الضوء نفسه، فالضوء لا يفعل أكثر من إظهاره، أما وجوده فشيءٌ أقدم من ذلك وأعمق، حتى كأن الظل ليس ما تصنعه الشمس، بل ما تبقيه الحياة فينا من أثرها حين تعبر..لكن السؤال الذي يعود إليّ كل ليلةٍ أشدَّ إلحاحًا من كل الأسئلة: أين يذهب هذا الرفيق حين يحل الظلام؟ وكيف يختفي في العتمة نفسها التي وُلد منها؟ .. هل يتسلل إلى أحلامي خفيفًا، يقرأ ما أخفيه عن نفسي، ويعيد ترتيب هواجسي في العتمة؟ هل يجلس إلى جوار سريري متأملًا وجهي النائم، ثم يعود مع أول خيطٍ من النهار وكأنه لم يغادر؟ أم أنه يرحل إلى جهةٍ أخرى لا يعرفها الضوء، ليعيش هناك حياةً لا أشاركها معه؟..أسأله فلا يجيبني إلا بنفسه، وأشاوره فلا يكون إلا رأيي وقد استحال صورة، وأراقبه فلا أرى فيه إلا نسخةً صامتة من حيرتي.. ثم يمتد السؤال أبعد من العمر كله «أين سيكون بعد أن أموت»؟

إذا كان الموت عودةً كبرى إلى الظلام، فهل ينجو الظل من المصير نفسه؟ أم أنه سيحمل ما تبقّى مني كما تحمل الذاكرة أسماء الراحلين؟ هل سيواصل التجوال في الأزقة التي عرفتنا، وفي الطرق التي عبرناها معًا، أم أنه سيذوب أخيرًا في العتمة التي ظل يهرب منها كلما أشرقت الشمس! لا أعرف حقيقة.. كل ما أعرفه أن هذا الكائن الصامت رافقني منذ طفولتي، وعبر معي الأفراح التي نسيتها والأحزان التي لم تنسني، ولم يطلب مني شيئًا سوى أن أمشي، وحين أستعرض الوجوه التي مرّت في حياتي، والأصدقاء الذين أخذتهم الطرق أو أخذهم الزمن، أجدني أصل إلى يقينٍ صغيرٍ وحميم «لم أعرف في حياتي كلّها صديقًا أكثر وفاءً من ظلّي» فقد كان دائمًا هناك

حين حضر الجميع، وحين غابوا ..!

فاصله:

قالتِ الشمس عن يومه

كلما مدّ في بابه الظل رجليه

يسأله عن إجازته

عن وداع الحبيبات في بابه

عن حديث المجالس عنه

وعن « عطْسةِ « العطر .. عن معطف الخوف

يبحث في جيبه عن مفاتيحه .. أيها كان أدنى إليه ..!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد