منيرة أحمد الغامدي
في كل مرة تتخذ فيها دولة خطوة دبلوماسية تجاه دولة تختلف معها سياسيًا، تتكرر موجة من التفسيرات المتعجلة، وكأن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القطيعة الدائمة أو العاطفة العابرة.
ومؤخرًا، أثار إرسال المملكة العربية السعودية وفدًا لتقديم واجب العزاء إلى إيران نقاشًا واسعًا، ذهب بعضه إلى اعتبار هذه الخطوة تنازلًا أو تغييرًا في المواقف السياسية.
غير أن مثل هذا الطرح يغفل طبيعة العمل الدبلوماسي وآليات إدارة العلاقات بين الدول.
فالدبلوماسية، منذ نشأة العلاقات الدولية الحديثة، لم تكن يومًا مرادفًا للاتفاق الكامل، كما أنها لا تعني تبني مواقف الطرف الآخر أو المصادقة على سياساته.
بل على العكس، كثيرًا ما تكون أكثر نشاطًا بين الدول التي تجمعها ملفات معقدة وخلافات عميقة، لأن الحفاظ على قنوات التواصل يعد جزءًا من أدوات حماية الاستقرار ومنع التصعيد.
إن الأعراف الدبلوماسية التي تحكم العلاقات بين الدول لا تقتصر على توقيع الاتفاقيات أو عقد القمم، بل تشمل أيضًا تبادل رسائل التهنئة والتعزية، وحضور المناسبات الرسمية، والالتزام بالبروتوكولات الدولية التي تحترمها معظم دول العالم، بغض النظر عن مستوى التقارب أو التباعد السياسي بينها.
ولهذا، فإن إرسال وفد للتعزية لا ينبغي تفسيره خارج هذا الإطار المهني المتعارف عليه دوليًا.
والواقع الدولي يقدم عشرات الأمثلة على ذلك. فكم من دول تخوض خلافات سياسية أو اقتصادية أو حتى نزاعات مباشرة، لكنها لا تتوقف عن تبادل الرسائل الرسمية، أو فتح قنوات الاتصال، أو إرسال ممثلين في المناسبات الإنسانية والرسمية. لأن الدولة الحديثة تدرك أن إدارة الخلاف تختلف عن تأجيجه، وأن إبقاء مساحة للحوار لا يعني التراجع عن المبادئ أو التفريط في المصالح.
أما المملكة العربية السعودية، فقد رسخت خلال السنوات الأخيرة نهجًا يقوم على التوازن والواقعية السياسية، انطلاقًا من مصالحها الوطنية ودورها المحوري في المنطقة.
وهذا النهج لا يقاس بردود الأفعال الآنية، بل يُقرأ ضمن رؤية أشمل تسعى إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي، وخفض مستويات التوتر متى كان ذلك ممكنًا، مع الحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية ومصالح الدولة العليا.
ومن الخطأ اختزال السياسة الخارجية في موقف بروتوكولي واحد، أو بناء استنتاجات استراتيجية على زيارة تعزية أو مشاركة في مناسبة رسمية. فالسياسات تُقاس بمجمل القرارات والمواقف والاتفاقيات والتحركات الميدانية والدبلوماسية، لا بإجراء بروتوكولي تؤديه معظم دول العالم باعتباره جزءًا من قواعد التعامل بين الحكومات.
كما أن التمييز بين البعد الإنساني والبعد السياسي يمثل أحد أهم أسس العمل الدبلوماسي.
فالتعبير عن التعزية في وفاة شخصيات رسمية أو في أحداث وطنية لا يعني بالضرورة تجاوز الخلافات السياسية، وإنما يعكس احترامًا للأعراف الدولية التي تسهم في الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل بين الدول، حتى في أصعب الظروف.
ولعل ما تحتاجه مثل هذه القضايا هو قراءة هادئة متأنية تدرك أن قوة الدول لا تظهر في قدرتها على القطيعة، بل في قدرتها على إدارة الملفات المعقدة بحكمة، واختيار التوقيت المناسب لكل رسالة سياسية أو دبلوماسية، بما يخدم مصالحها ويحافظ على مكانتها.
إن الدول الكبرى والمؤثرة لا تتحرك بردود الفعل، وإنما وفق استراتيجيات طويلة المدى توازن بين الثبات على المبادئ والمرونة في أدوات التنفيذ.
ومن هنا، فإن إرسال وفد للتعزية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تغييرًا في المواقف، بل باعتباره ممارسة دبلوماسية تندرج ضمن قواعد العلاقات الدولية التي تلتزم بها الدول ذات الحضور والمسؤولية.
وفي النهاية، يبقى الفرق كبيرًا بين من ينظر إلى السياسة الخارجية بعين اللحظة، ومن يقرأها بمنظار الدولة. فالدبلوماسية ليست تنازلًا، وليست تبدلًا في القناعات، وإنما هي فن إدارة العلاقات بما يحفظ المصالح، ويجنب الأزمات، ويؤكد أن قوة الدول تقاس بحكمة قراراتها، لا بحدة شعاراتها.

