كان من المفترض أن تتمحور الانتخابات المحلية، وانتخابات رؤساء البلديات والبرلمانات الإقليمية التي جرت في السابع من مايو، حول قضايا خدمية بحتة؛ بدءاً من صيانة الطرق وصولاً إلى تصاريح وقوف السيارات. غير أن صناديق الاقتراع أبت إلا أن تكشف عن تصدع عميق في النظام السياسي البريطاني التقليدي، واضعةً السير كير ستارمر في مواجهة مصيرية مع "معركة بقاء" سياسي لم تكن في الحسبان.
تقليدياً، يميل الناخب البريطاني في الاستحقاقات المحلية إلى معالجة الملفات الإجرائية: جمع النفايات، ضرائب المجالس، والإنارة العامة. لكن بريطانيا استغلت هذه المنصة لتوجيه "إنذار وطني" يتجاوز حدود البلديات؛ رسالة كشفت عن مشهد سياسي يتفكك بسرعة لافتة، حيث ينهار حزب العمال في معاقله التاريخية، ويبرز حزب "ريفورم" (الإصلاح) كقوة وطنية وازنة، بينما يتمدد "الخضر" في الحواضر المدينية الثرية، وتُحكم الأحزاب القومية قبضتها على اسكتلندا وويلز.
إن ما نرقبه اليوم ليس مجرد تذبذب انتخابي عابر، بل هو "انهيار بنيوي" للمنظومة التي حكمت بريطانيا لأكثر من قرن من الزمان.
زلزال ويلز: طعنة في قلب "الهوية العمالية"
وقع الزلزال الرمزي الأكبر في ويلز؛ تلك البقعة التي لم تكن مجرد إقليم يتمتع بحكم ذاتي، بل كانت "الرحم" الذي ولدت فيه الحركة العمالية الحديثة بين مناجم الفحم ومصانع الحديد. لعقود، ظل حزب العمال جزءاً لا يتجزأ من النسيج السياسي الويلزي، لكن هذا النسيج تمزق شر ممزق في الاقتراع الأخير.
لقد برز حزب "بلايد كامري" (حزب ويلز) كقوة مهيمنة، بينما قفز "ريفورم" إلى المركز الثاني، ليدفع بحزب العمال نحو "الهامش السياسي". الأرقام جاءت قاسية وصادمة: 43 مقعداً لـ "بلايد كامري"، و34 لـ "ريفورم"، في حين تقزم تمثيل العمال إلى 9 مقاعد فقط، مما اضطر رئيسة الحكومة الويلزية العمالية، إيلونيد مورغان، إلى الاستقالة بعد خسارة مقعدها. بالنسبة لستارمر وحزبه، لم تكن هذه مجرد كبوة، بل "إذلالاً سياسياً" في معقل الهوية التاريخية.
اسكتلندا وسياسات الهوية
أما اسكتلندا، فقد بعثت برسالة مغايرة في الشكل، لكنها مقلقة في المضمون. لا يزال "الحزب الوطني الاسكتلندي" هو القوة المهيمنة، مرجحاً استمراره في الحكم عبر "حكومة أقلية". وفي المقابل، حقق "ريفورم" اختراقات في مناطق كانت تُعد حصوناً منيعة ضد سياسات نايجل فاراج، بينما واصل "الخضر" تقدمهم.
وتكشف نتائج اسكتلندا وويلز عن تحول جذري: صعود "سياسات الهوية" على أنقاض "سياسات الطبقة". أحزاب مثل "الوطني الاسكتلندي" و"بلايد كامري" تحولت من حركات قومية هامشية إلى "قوى حكم" متجذرة، تتغذى على المظالم الدستورية وعدم الثقة في "وستمنستر". تبدو بريطانيا اليوم وكأنها لم تعد أمة سياسية واحدة، بل "ثقافات سياسية متنافرة" تتقاسم الدولة ذاتها.
إنجلترا.. الصدمة والتحول الأيديولوجي
في إنجلترا، فجر حزب "ريفورم" المفاجأة الكبرى بحصده أكثر من ألف مقعد في المجالس المحلية، مسيطراً على مناطق كانت تُصنف كـ "مساحات آمنة" للعمال أو المحافظين. وفي لندن، حقق "الخضر" اختراقات نوعية شملت رئاسات بلديات في مناطق عمالية تاريخية مثل "هاكني" و"لوشام".
إن هذه النتائج تعلن اقتراب نهاية "عصر الثنائية الحزبية"؛ حيث كان الحزبان الكبيران (العمال والمحافظون) يستأثران بـ 80% من الأصوات. بريطانيا اليوم لا تتجه فقط نحو "التعددية"، بل تغادر القواميس السياسية التقليدية القائمة على ثنائية "اليسار واليمين".
ما زال بعض المعلقين يصفون "ريفورم" بـ "اليمين المتطرف" بكسل ذهني، رغم أن برنامجه الاقتصادي — الداعي لتدخل الدولة وملكية المرافق والعداء للنخب — يحمل ملامح "العمال القديم". وفي المقابل، لا يمثل "الخضر" اشتراكية صناعية، بل يعبرون عن "طبقة تقدمية مدينية" ثرية وجامعية.
لقد أصبحت السياسة تدور حول خطوط انقسام مستحدثة: الهجرة، السيادة، غزة، سياسات "صفر انبعاثات"، وأزمة السكن. لقد اختفى الخط الفاصل بين السياسة المحلية والوطنية؛ فالناخب الذي كان يُسأل عن النفايات، أجاب بالحديث عن "هيئة الصحة الوطنية" وضغوط المعيشة.
انهيار "الجدار الأحمر" ومعضلة ستارمر
من أبرز مؤشرات إعادة الاصطفاف السياسي، هو الانهيار المتواصل لتحالف "الجدار الأحمر" (الدوائر الصناعية التي دعمت بريكست ثم جونسون في 2019). هؤلاء الناخبون يشعرون أن "وستمنستر" تعاملت مع مخاوفهم بشأن الهجرة والتغير الثقافي بـ "احتقار مقنع".
وفي الوقت نفسه، ينزف حزب العمال قاعدته التقدمية لصالح "الخضر"، خاصة في المناطق الثرية التي تنظر لسياسات "صفر انبعاثات" كـ "هيبة أخلاقية"، بينما تراها المجتمعات الصناعية "تضحية اقتصادية" تفرضها نخب معزولة عن الواقع.
إن حزب "ريفورم" تجاوز مرحلة "حزب الاحتجاج" المؤقت، وأصبح يُناقش علناً كمرشح لقيادة الحكومة. وإذا ما تُرجمت هذه النتائج في انتخابات عامة، فقد نكون أمام "برلمان منقسم" (Hung Parliament) يفتقد للأغلبية المطلقة، مما يدخل بريطانيا في دوامة "المساومات الدائمة" والشلل السياسي، على غرار الأنظمة القارية الأوروبية.
في قلب هذا الإعصار يقف كير ستارمر. معضلته ليست مجرد "تراجع شعبية"، بل هي "تفكك الائتلاف السياسي" الذي يحمله؛ فهو يخسر أمام "ريفورم" في المناطق العمالية، وأمام "الخضر" في المدن، وأمام القوميين في ويلز واسكتلندا.
لقد صَدَرَ الحكم على ستارمر فعلياً؛ وما يقوم به اليوم ليس محاولة لاستعادة الزخم، بل هو مجرد "تأجيل لتنفيذ الحكم" داخل أروقة حزبه المتداعي.


