: آخر تحديث

عندما تصبح اللغة فخًا

2
2
4

إنَّ التمييز بين "اللوبي الإسرائيلي" و"اللوبي اليهودي" لم يكن يومًا مجرد اختيار لغوي للتعبير عن الشيء ذاته. كان يحدد بدقة الحد الفاصل بينهما: بين نقد شبكة سياسية ونسبة القوة إلى هوية جماعية كاملة. لسنوات، حُفظ هذا الحد بصرامة، لأن تجاوزه يعني انهيار الفرق بين نقد الدولة والاشتباه الجماعي.

"اللوبي الإسرائيلي" ليس مرادفًا لـ"اللوبي اليهودي"، والفارق جوهري لا شكلي. الأول يشير إلى شبكات سياسية مرتبطة بدولة بعينها، أما الثاني فيحيل إلى هوية دينية وإثنية متعددة وممتدة لا يمكن اختزالها في مشروع سياسي واحد.

ما يتغير اليوم ليس فقط حدة النقاش، بل المفردات نفسها. مصطلحات كانت تُعدّ إشكالية أصبحت تُستخدم بحذر أقل، أحيانًا حتى داخل مساحات تعرّف نفسها بأنها نقدية تجاه السياسات الإسرائيلية. هذا ليس انزلاقًا هامشيًا. إنه يغير الشروط التي تُصاغ فيها الحجج وتُتلقى.

هنا يتجلى الخطر الأعمق.

حين يضعف التمييز بين الدولة والهوية الدينية، يُفتح المجال أمام عودة أشكال تاريخية من معاداة السامية، لا بصورة صريحة، بل كتسرب تدريجي لصور وأطر ومفاهيم لها تاريخ مديد وثقيل في أوروبا. بهذا المعنى، الانزلاق اللغوي ليس بريئًا: إنه يُعيد تنشيط ارتباطات بالغة الخطورة.

بالنسبة إلى الفلسطينيين، هذا ضار بشكل خاص. ليس فقط لأنه يشوه طبيعة نضالهم، وهو نضال من أجل الحقوق والتحرر وإنهاء الاحتلال، بل لأنه يُضفي مصداقية على اتهامهم بمعاداة السامية ويجعله أسهل في التعبئة. والأسوأ أنه يجذب نحو القضية الفلسطينية أطرافًا لا يتحركون بدافع العدالة، بل بدافع العداء لليهود بوصفهم يهودًا.

هذا هو الجوهر الذي ينبغي قوله بوضوح: حين تفقد اللغة دقتها، تتغير أيضًا طبيعة من يتبناها.

خطاب يخلط بين "اليهودي" و"الإسرائيلي" أو "الصهيوني" لا يُقوّي الحجة، بل يُضعفها. يجعلها أسهل هجومًا، وأسهل تشكيكًا، وأقل قدرة على بناء تحالفات سياسية متينة، بما فيها التحالفات مع يهود يعارضون الاحتلال والاستعمار وسياسات الدولة الإسرائيلية.

المسألة إذًا ليست حساسية لغوية ولا حيطة خطابية. إنها، في جوهرها، مسألة استراتيجية وسياسية.

الحفاظ على التمييز بين الدولة والأيديولوجيا والهوية ليس تفصيلًا لغويًا، بل شرط لا غنى عنه لبناء موقف أخلاقي ومتماسك سياسيًا. يعني ذلك تمركز الخطاب حول حقوق الفلسطينيين الإنسانية، وإدانة الاستعمار والاحتلال والفصل العنصري، دون الانزلاق نحو منطق يُحمّل الجماعات مسؤوليات جماعية.

حين ينهار الحد الفاصل بين الدولة والدين، يفقد النقد دقته. وحين يفقد دقته، يفقد قوته.

وهكذا تتحول اللغة، ببطء، من أداة توضيح إلى فخ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.