لم يعد المشهد اليمني قابلًا للقراءة عبر ثنائية الحرب التقليدية بين "الشرعية" وأنصار الله فقط، فخلال السنوات التي أعقبت 2015 حدث تحول أعمق وأكثر تعقيدًا، تمثل في إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة داخل الدولة نفسها. فالحرب لم تُنتج فقط خطوط تماس عسكرية، بل أعادت إنتاج النخب، ومراكز النفوذ، والعقائد السياسية، وبنية المؤسسة العسكرية والأمنية.
وبينما كان الاهتمام منصبًا على المواجهة المباشرة مع الحوثيين، كانت هناك معركة أخرى تُدار بهدوء داخل معسكر "الشرعية" نفسه، وهي معركة إعادة توزيع النفوذ ومنع أي طرف من احتكار الدولة.
أولًا: صعود السلفيين… ظاهرة أم نتيجة؟
إن صعود التيار السلفي إلى مراكز القرار العسكري والسياسي في اليمن لم يكن حدثًا مفاجئًا، ولا يمكن فهمه باعتباره مجرد تمدد طبيعي لتيار ديني، بل هو نتيجة مباشرة لعدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الحرب، وانهيار الدولة المركزية، وإعادة تشكيل الجيش، والتحولات الإقليمية بعد الربيع العربي، والخوف المتزايد من صعود الإسلام السياسي.
فالتيار السلفي كان حاضرًا تاريخيًا في اليمن، سواء في الحروب ضد الحوثيين، أو في بعض محطات الصراع الداخلي، أو داخل البيئة الدعوية التقليدية، لكن الجديد اليوم هو انتقال هذا الحضور من "الهامش الدعوي" إلى "مركز النفوذ".
ثانيًا: من الدعوة إلى السلطة
تاريخيًا، عُرفت السلفية التقليدية في اليمن والمنطقة العربية بأنها أقل انخراطًا في العمل الحزبي، وأكثر تحفظًا تجاه الديمقراطية والعمل السياسي، وأقرب إلى المجال الدعوي والتعليم الديني. لكن الحرب غيّرت كل شيء.
فمع انهيار مؤسسات الدولة وظهور تشكيلات عسكرية جديدة، بدأت القوى السلفية تتحول تدريجيًا من تيار وعظي إلى قوة عسكرية، ثم إلى فاعل سياسي وإداري. وبرز ذلك بوضوح عبر قوات العمالقة، والتشكيلات السلفية في الساحل الغربي، وشخصيات دخلت هياكل وزارة الدفاع والأمن والإدارة المحلية.
وهنا لم يعد السؤال: هل السلفيون حاضرون؟ بل ما طبيعة الدور الذي أصبحوا يلعبونه داخل الدولة؟
ثالثًا: الإصلاح… الطرف الغائب الحاضر
لا يمكن فهم هذا التحول دون إدخال التجمع اليمني للإصلاح، الإخوان المسلمون فرع اليمن، في قلب التحليل. لأن ما يحدث منذ سنوات ليس فقط صعودًا للسلفيين، بل أيضًا محاولة لإعادة هندسة التوازن داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
فالإصلاح، بوصفه الامتداد الأقوى للإسلام السياسي في اليمن، والأكثر تنظيمًا وخبرة، والأوسع حضورًا والأكثر سيطرة داخل مؤسسات الشرعية والجيش، شكّل مصدر قلق متزايد لبعض القوى الإقليمية، خصوصًا بعد الربيع العربي وصعود تيارات الإسلام السياسي في المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم بناء تشكيلات عسكرية موازية، ودعم قوى سلفية، وإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، ليس فقط باعتبارها أدوات مواجهة للحوثيين، بل أيضًا كآليات لمنع احتكار الإصلاح لمفاصل الدولة.
رابعًا: إعادة هندسة المعسكر المناهض للحوثيين
ما يجري فعليًا هو إعادة تشكيل كاملة لبنية القوة داخل "الشرعية". حيث لم تعد الدولة تُدار عبر مؤسسة مركزية متماسكة، بل عبر توازنات، وتشكيلات، ومراكز نفوذ متعددة.
وفي هذا السياق برزت القوى السلفية، والقوى المناطقية، والتشكيلات المدعومة إقليميًا، والإسلام السياسي، كقوى تتنافس ليس فقط على الحرب، بل على شكل الدولة القادمة.
ومع اتساع نفوذ التشكيلات العسكرية والعقائدية، لم تعد الأزمة اليمنية تقتصر على ضعف الدولة، بل باتت تتمثل في تشكّل كيانات موازية داخلها، تمتلك قرارها وسلاحها وشبكات نفوذ مستقلة، إلى الحد الذي أصبحت فيه الدولة الرسمية نفسها مجرد مركز من بين عدة مراكز قوة، لا مركز القوة السيادي الوحيد.
خامسًا: من الدولة الوطنية إلى دولة التوازنات
وهنا تكمن أخطر نقطة في المشهد اليمني. ففي النظم الطبيعية، تُبنى الجيوش على عقيدة وطنية موحدة، ومركز قرار واضح، ومؤسسات فوق الانتماءات الضيقة. لكن ما يحدث في اليمن مختلف تمامًا.
اليوم، توجد قوى مذهبية، ودينية، ومناطقية، وعسكرية، لكل منها مشروعها، ومرجعيتها، وشبكة مصالحها وتحالفاتها. وفي المقابل، تتراجع فكرة "الدولة الوطنية الجامعة" تدريجيًا.
سادسًا: التشظي المؤسسي المقنّن
الخطير أن كثيرًا من هذه القوى لم تعد تعمل خارج الدولة، بل دخلت إليها رسميًا عبر التعيينات، والرتب العسكرية، والمناصب الإدارية. وهنا يظهر سؤال استراتيجي بالغ الخطورة: هل يجري دمج هذه القوى لبناء دولة؟ أم يجري توزيع الدولة بينها؟
الفارق بين الأمرين هائل. فالدولة التي تتحول إلى مساحة محاصصة بين التشكيلات، ومجال توازن بين القوى المسلحة، قد تنجح مؤقتًا في إدارة الحرب، لكنها تواجه صعوبة هائلة لاحقًا في بناء الاستقرار وإنتاج سيادة موحدة.
ومع امتداد الحرب لسنوات، لم تعد الأزمة مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل تحوّلت إلى اقتصاد حرب متكامل، تُنتج من خلاله شبكات نفوذ ومصالح وتمويل متشابكة، إلى الحد الذي أصبحت فيه بعض القوى أكثر تكيفًا مع استمرار الصراع من امتلاكها إرادة حقيقية لإنهائه.
سابعًا: البعد الإقليمي
لا يمكن فصل ما يحدث عن التحولات الإقليمية الكبرى. فالسعودية والإمارات، كلٌ وفق مقاربته، أعادتا قراءة المنطقة بعد 2011، وأصبحتا أكثر تحفظًا تجاه الإسلام السياسي والجماعات العقائدية العابرة للدولة.
ومن هنا، فإن بناء قوى موازنة، وتشكيلات جديدة، ومراكز نفوذ مختلفة، كان جزءًا من هندسة مشهد يمني مفخخ يمنع بناء دولة حقيقية متماسكة وحرمان أي طرف من الهيمنة بمفرده. لكن هذه السياسة أنتجت في المقابل تعددًا في مراكز القوة، وتشظيًا في القرار العسكري والسياسي.
ثامنًا: السؤال الأخطر… أي يمن يتشكل؟
القضية اليوم لم تعد من يسيطر على مدينة، أو من يربح جولة عسكرية، بل ما شكل الدولة التي يجري تشكيلها تحت رماد الحرب؟ هل نحن أمام دولة وطنية حديثة، أم دولة مكونات، أم نظام توازنات دائمة بين قوى الحرب، أم نسخة يمنية من المحاصصات الإقليمية والطائفية؟
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تعدد القوى المسلحة أو تضارب الولاءات، بل في التآكل العميق للتصور الوطني الجامع لمعنى الدولة نفسها؛ فبينما تتحدث جميع الأطراف باسم الدولة والسيادة، يحمل كل طرف تقريبًا تصورًا مختلفًا لها: دولة عقائدية، أو مناطقية، أو حزبية، أو شبكة نفوذ ومصالح، لا دولة وطنية جامعة تقوم على مشروع سيادي موحّد وهوية سياسية مشتركة.
الخلاصة أن ما يحدث في اليمن ليس مجرد صعود تيار ديني أو تراجع آخر، بل إعادة توزيع شاملة للقوة داخل دولة أضعفتها الحرب. وفي مثل هذه البيئات، لا تكون المعركة الحقيقية على السلطة فقط، بل على تعريف الدولة نفسها.
إذ إن الحروب لا تُسقط الدول دائمًا، لكنها قد تُغيّر طبيعتها بالكامل. واليمن اليوم لا يقف فقط أمام خطر الانقسام الجغرافي، بل أمام خطر أعمق، هو تحوّل الدولة من مؤسسة وطنية جامعة إلى ساحة توازن بين القوى التي صنعتها الحرب.
وحين تُبنى الجيوش على العقائد، والسياسة على المحاور، والنفوذ على التشكيلات، فإن السلام قد يوقف إطلاق النار، لكنه لا يبني دولة. لأن الدولة لا تقوم على توازن الخوف بل على وحدة القرار، ووحدة العقيدة الوطنية، ووحدة المعنى والهوية.


