: آخر تحديث
باب الذكاء الاصطناعي

قياس الذكاء الاصطناعي بـ ChatGPT يُضلّل الجميع!

3
3
2

الفرق بين النماذج العامة والمتخصصة كالفرق بين سيارة عادية وطائرة مقاتلة!
النماذج العامة قد تقدم معلومات عن المريخ، أما النموذج المتخصص فيقود مركبة فوقه!
نموذج يحدثك عن أعراض مرض، ونموذج يدير غرف عمليات!

حين تسأل شخصاً عادياً: “ما رأيك في الذكاء الاصطناعي؟”
يجيبك عن ChatGPT.

وهنا تكمن المشكلة والتضليل وعدم الفهم!

ChatGPT أداة رائعة، لكن الحكم على الذكاء الاصطناعي من خلاله وحده كمن يحكم على قدرات الطيران من خلال طائرة ورقية!

عالمان مختلفان تماماً!
الذكاء الاصطناعي اليوم نوعان، لا نوع واحد:

الأول: النماذج العامة: ChatGPT، Gemini، Claude، Grok. تجيب على أسئلتك، تكتب لك، تترجم، تلخص، وتحادثك. مُدرَّبة على بيانات ضخمة من الإنترنت، كل شيء، لكن بعمق محدود في كل مجال. هي عامل متعدد المهارات، يعرف شيئاً عن كل شيء، ويجيب مهما كانت الإجابة، فهو فقط يقارب المعلومات. لو طلبت -مثلاً- لوناً بنفسجياً ولم يتوفر لديه، فسيرشدك إلى أقرب لون متاح لديه، وقد يكون الأحمر مثلاً! هكذا تعمل النماذج العامة.

الثاني: النماذج المتخصصة: مُدرَّبة على بيانات محددة لمهمة واحدة، بعمق لا يُقارن، وليست مُعدة للإجابة على أسئلتك اليومية، لكنها تفعل ما لا يستطيعه أي إنسان في مجالها.
الفارق بينهما كالفارق بين طبيب عام وجراح قلب متخصص.

دعني أوضح لك الفرق بمثال بسيط: النماذج العامة تتدرب على الإنترنت كله؛ كتب، محادثات، مقالات، كل شيء. لذلك تجيب عن أي سؤال، لكن إجاباتها سطحية في المواضيع العميقة. أما النماذج المتخصصة فتُدرَّب على نوع واحد فقط من البيانات، مثل صور الأشعة، أو ترددات الرادار، أو خرائط الكواكب. لهذا فهي لا تجيب عن أسئلتك اليومية، لكنها تتفوق على البشر في مجالها الضيق.

النقطة الأهم: النماذج العامة متاحة لك الآن مجاناً على هاتفك، بينما النماذج المتخصصة لا تزال محصورة داخل المستشفيات والقواعد العسكرية ومراكز الفضاء.

في الطب — ما لا يراه ChatGPT
REDMOD من Mayo Clinic — لا يكتب لك مقالاً ولا يجيب على أسئلتك، لكنه يكتشف سرطان البنكرياس قبل 16 شهراً من التشخيص التقليدي، في صور كان الأطباء يقولون عنها “طبيعية”.

Zebra Medical Vision وAidoc — لا تُحادثك ولا تكتب لك، لكنها تُحلّل آلاف صور الأشعة في مستشفيات حول العالم بدقة تتجاوز المتخصصين.

اسأل ChatGPT عن صورة أشعة CT، سيجيبك بمعلومات عامة. أعطِ الصورة نفسها لنموذج متخصص، فسيرى ما لا يراه الطبيب!

في الذكاء العسكري... ما لا تتخيله!
وزارة الدفاع الأميركية تخطط لإنفاق 13.4 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي في ميزانية 2026 وحدها، لا على ChatGPT، بل على نماذج تُحلّل بيانات الاستخبارات، وتتنبأ بأعطال الطائرات قبل وقوعها، وتُدير الطائرات المسيّرة في بيئات قتالية معقدة.

سوق الذكاء الاصطناعي العسكري العالمي بلغ 9.31 مليار دولار في 2024، وينمو بنسبة 13% سنوياً حتى 2030.

هذه النماذج لا تكتب لك بريداً إلكترونياً، لكنها قد تُقرر في أجزاء من الثانية ما كان يحتاج قائداً عسكرياً إلى ساعات لتحليله.

في الفضاء... مسرح آخر!
NASA تستخدم ذكاءً اصطناعياً متخصصاً خطّط رحلات مركبة Perseverance على المريخ بالكامل، من دون تدخل بشري في التخطيط. وبالتعاون مع غوغل، اكتشفت كوكبين خارج المجموعة الشمسية في بيانات كان العلماء قد أغفلوها.

ChatGPT يعرف معلومات عن المريخ، أما النموذج المتخصص فيقود مركبة فوقه!

لماذا لا نسمع عن هذه النماذج المتخصصة؟
ربما تسأل نفسك الآن: “إذا كانت هذه النماذج بهذه القوة، فلماذا لا أراها على هاتفي؟”

الجواب بسيط، وله ثلاثة أسباب:

أولاً: السرية. الجيش لا يعلن عن أسلحته الحقيقية، وأفضل النماذج العسكرية لا تُنشر في مجلات علمية مفتوحة، بل تبقى خلف جدران مغلقة.

ثانياً: التكلفة. تدريب نموذج متخصص واحد قد يكلف أكثر من 10 ملايين دولار، ولا توجد شركة تجارية ستقدمه مجاناً على تطبيق ترفيهي.

ثالثاً: الخطورة. لو أعطيتك نموذجاً يقرر أي مريض يبقى على جهاز الإنعاش وأيهم يُترك، فقد تسأله سؤالاً خاطئاً، وقد تكون العواقب مميتة. لهذا يبقى هذا النموذج داخل المستشفى تحت إشراف طبيب بشري.

وبوضوح تام: ما تراه في ChatGPT هو الواجهة المجانية للجماهير، أما ما يغيّر العالم حقاً فهو خلف أبواب مغلقة.

لماذا يُضلّلنا الفهم الخاطئ؟
حين يقيس الناس الذكاء الاصطناعي كله بـ ChatGPT، يقعون في فخّين خطيرين:

الأول: الاستهانة. “الذكاء الاصطناعي يُخطئ ويهلوس، ولا يُقارن بالإنسان!”، وهذا صحيح تماماً في النماذج العامة، لكنه غير صحيح في المتخصصة التي تتجاوز الإنسان في مجالها بدقة موثقة.

الثاني: الانبهار الخاطئ. “ChatGPT ذكي جداً!” نعم، لكن ذكاءه العام لا يعني أنه يستطيع ما تستطيعه النماذج المتخصصة في الطب والعسكري والفضاء.

الذكاء الاصطناعي ليس نموذجاً واحداً، بل منظومة متكاملة، كل نموذج فيها يفعل ما لا يستطيعه الآخر.

ما الذي يعنيه هذا لك؟

يعني أن التهديد الحقيقي لم تره بعد.

ما تراه في ChatGPT هو الواجهة الأمامية فقط، أما ما يجري في المختبرات والمستشفيات والقواعد العسكرية ومراكز الفضاء، فذلك هو التحول الحقيقي الذي يعيد رسم العالم.

وهو تحول سيصل إلى حياتنا اليومية، وحينها سينقلب العالم أمامنا في ثورة رقمية يتغير معها وجه العالم، وتنقلب كل أساليبنا التقليدية في كل شيء دون استثناء...

إلى اللقاء!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.