مع اقتراب ذكرى الوحدة اليمنية هذا العام في ظل مشهد معقد وتجاذبات كبرى لم يعد ينفع معها اجترار الخطابات التقليدية أو التمسك بصيغ سياسية أثبتت التجربة والسنوات الطويلة حاجتها للمراجعة الجذرية.
إن الاحتفاء الحقيقي ليس في رفع الشعارات القديمة، بل في القدرة على استيعاب التحولات الكبرى التي عصفت باليمن والمنطقة، والاستجابة بمرونة لتطلعات الأجيال الجديدة التي تنشد مستقبلًا آمنًا ومستقرًا بعيدًا عن أزمات الماضي.
أنا أعتبر نفسي على دراية ومعايشة للواقع اليمني، وقد أقمت سنوات طوالًا في شماله وجنوبه، وأعرف جيدًا تضاريسه السياسية والتحديات التي تحيط بجغرافيته، وهنا لا بد من التعاطي مع حلول واقعية لمشكلة الجنوب العربي، وإن أولى خطوات الحل تبدأ من الاعتراف الصريح بمطالب شعب الجنوب وتفهم رغبات وتطلعات أبنائه، إذ لم يعد من الممكن تجاهل الإرادة الشعبية في الجنوب أو فرض صيغ مركزية أثبتت فشلها، لأن الاستقرار الحقيقي يتطلب البحث عن "صيغ سياسية جديدة" تستجيب لطموحات الجنوبيين وتضمن لهم حقهم في تقرير مستقبلهم وإدارة شؤونهم، بما يحفظ وشائج الإخاء ويضمن الأمن المشترك بعيدًا عن عقلية الغلبة أو التبعية.
إن استعادة شمال اليمن وإنهاء الانقلاب الحوثي كأداة تخريب إيرانية هو الركيزة الأساسية للحديث عن استقرار إقليمي، فمن دون إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة السيادة والشرعية وعودة مؤسسات الدولة لتكون سندًا لمحيطها العربي، فإن بقاء الشمال رهينة للمشروع الإيراني وأذرعه لا يهدد اليمنيين فحسب، بل يمثل طعنة في خاصرة الأمن القومي العربي ويهدد سلامة الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
إن أي مقاربة جديدة يجب أن تضع "الأمن الإقليمي" في قلب أولوياتها، وهذا يعني بناء تحالفات تضمن حماية المضائق والبحار من النفوذ الإيراني، وضمان ألا يكون اليمن منصة لتهديد الجيران أو لزعزعة استقرار المنطقة.
حقيقة أن الأجيال الجديدة اليوم لا تريد حروبًا بالوكالة، بل تبحث عن فرص عمل تنموية وانفتاح على العالم، وهذا لن يتحقق إلا بإنهاء التبعية للخارج وتغليب المصلحة الوطنية والعروبية.
لقد تغير وجه العالم والمنطقة وعلينا أن نتغير معه، إن التمسك بصيغ الماضي وأساليبه القديمة هو نوع من الهروب إلى الأمام، فالمطلوب اليوم هو شجاعة سياسية في طرح مشروع استقرار شامل ينهي الحرب ويستجيب لمطالب الجنوب العربي ويحرر الشمال من السطوة الإيرانية، ويؤسس لشراكة استراتيجية تحمي الأمن والملاحة وتصنع مستقبلًا يليق بتضحيات هذا الشعب العظيم.


