حين تلتقي أصالة العطاء الهاشمي والعربي بعبق التاريخ الإسلامي تولد مبادرات استثنائية تتجاوز حدود الجغرافيا لتصنع مجدًا حضاريًا جديدًا.
وفي خطوة تاريخية حاشدة بالدلالات والثناء، جاء إعلان تكفل سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أم الإمارات بإعادة ترميم وصيانة الجامع الأموي الكبير في دمشق مع كامل المنطقة الأثرية والتاريخية المحيطة به، إضافة إلى جميع المساجد الأثرية المتضررة في سوريا الشقيقة، ليعكس عمق الموقف الإماراتي الصادق في حماية المعالم الإنسانية وإعادة إحياء الهوية الثقافية العربية.
من أمجاد فاطمة الفهرية إلى عطاءات أم الإمارات يصلنا هذا الحدث الجليل برباط أدبي وتاريخي وثيق، يعيد إلى الأذهان سيرة بانيات الحضارة الإسلامية، حيث يُعيد التاريخ تكرار روعته عبر ثنائية نسوية خالدة، فاطمة الفهرية أم البنين، تلك السيدة القرشية النبيلة التي جادت بكل ثروتها في القرن الثالث الهجري لتؤسس مسجد فاس وجامعة القرويين في المغرب الأقصى، لتصبح منارتها الفكرية والعلمية أقدم جامعة مستمرة في تاريخ العالم، وفاطمة بنت مبارك أم الإمارات التي تمد اليوم في القرن الحادي والعشرين جسور العطاء والوفاء من أبوظبي إلى دمشق، لتتعهد بترميم وصون الجامع الأموي بدمشق، هذه المعلمة التاريخية الخالدة، والذي شيده الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عام 705 (86 هـ) ليكون درة العمارة الإسلامية وعاصمة المجد الأموي.
يذكر التاريخ لنا جزءًا من خطبة الخليفة الوليد بن عبد الملك عندما تم إنجاز بناء المسجد قوله: "يا أهل دمشق، إني رأيتكم تفخرون على الدنيا بأربع: بهوائكم، ومائكم، وفاكهتكم، وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم مسجدي هذا"، واليوم تزيدكم يا أهل الشام أم الإمارات، رعاها الله، مبادرتها الرائعة.
إنها حقيقة تاريخية عن حكاية تلاقٍ فكري وحضاري بين فاطمة التي شيدت صرح العلم والعبادة في مغرب العالم الإسلامي، وفاطمة التي تنفض اليوم غبار السنين عن جوهرة المشرق الإسلامي في دمشق، ليؤكد هذا الربط أن المرأة العربية كانت وما زالت حامية التراث وصانعة الحضارة.
إذ لم يكن هذا التدخل الحضاري غريبًا على السجل الإنساني الحافل لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، فمبادراتها لا تقف عند حدود الحجر، بل تُعنى في المقام الأول بالبشر، حيث يسجل التاريخ لسموها بصمات ولمسات إنسانية ريادية محليًا ودوليًا في شتى الميادين، نذكر بعضها باختصار، تمكين المرأة ورعايتها من خلال إطلاق مبادرة الشيخة فاطمة بنت مبارك لتمكين المرأة في السلام والأمن بالتعاون مع الأمم المتحدة، ممهدةً الطريق للنساء ليكنّ قائدات وصانعات سلام في مجتمعاتهن، وكذلك توفير بيئات آمنة ومستلزمات العيش الكريم للأطفال والأيتام في مناطق النزاعات والكوارث حول العالم، بالإضافة إلى الاهتمام بالصحة النسائية الشاملة من خلال تمويل بناء المستشفيات والبرامج الصحية المعنية بصحة الأم والطفل ومكافحة الأوبئة والأمراض التي تهدد سلامة النساء في المجتمعات النامية. هذه الجهود المستمرة توّجت سموها بأكثر من 800 جائزة ووسام من كبرى المنظمات الدولية، مثل اليونسكو وجامعة الدول العربية ومفوضية اللاجئين، كرمز عالمي للعطاء اللامحدود.
نعم، إن التاريخ يعيد نفسه بحروف من نور مع انطلاق مشروع ترميم الجامع الأموي ومحيطه الأثري، فهو ليس مجرد عملية صيانة معمارية، بل هو رسالة أمل كبرى تُحيي روح المشرق العربي، ومع هذه المبادرة الكريمة يثبت التاريخ أنه يعيد نفسه بأبهى صوره، فكما خلدت النفوس العربية قديمًا مآثر بانيات الصروح الفكرية والدينية، يدون التاريخ المعاصر اليوم وبأحرف من نور اسم سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أم الإمارات، كحامية للتاريخ ومغيثة للإنسان ومنارة تضيء مآذن الشام ليعود عبق الأمويين نابضًا بالحياة والأصالة من جديد.
وبفيض عطائها صاغت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أم الإمارات للمجد تاريخًا، وغدت نبراسًا يضيء دروب الأجيال، حيث زرعت بجهودها المباركة قيم التنمية والإنسانية ورفعة الأوطان، وستبقى في قلوبنا رمزًا خالدًا تلهم النساء والرجال معاني العطاء والتضحية والريادة، ولعمري لم أجد ما أقول عنها سوى ما أستعيره من قول مالئ الدنيا وشاغل الناس المتنبي:
ولو كل النساء كمن عرفنا، لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب، ولا التذكير فخر للهلال


