: آخر تحديث

فيزا الذكريات

2
3
2

ليست كل الرحلات تُقاس بالمسافات، ولا كل المعابر تُفضي إلى مدنٍ على الخريطة، فثمّة عبورٌ آخر، خفيٌّ وعميق، يبدأ من الداخل حين تلوّح لك لحظةٌ منسية، فتمنحك "فيزا الذكريات" دون موعدٍ مسبق، ودون أن تسألك عن وجهتك القادمة. فهي تأشيرةٌ لا تُطبع على ورق، بل تُنقش في الوجدان، ولا تُمنح بالسفارات بل تُولد في قلبٍ يعرف كيف يحتفظ بما مرّ عليه دون أن يطالب الزمن بإعادته.

فيزا الذكريات ليست رفاهية شعور، بل ضرورة إنسان حين تضيق به الأيام، فيعود لا ليهرب بل ليُقارن بين ما كان وما صار، وبين براءة البدايات وثقل النهايات. فهي عبورٌ إلى نسخةٍ منك لم تتعلّم بعد كيف تُخفي انكسارها، ولا كيف تُقنّن مشاعرها، ولا كيف تُساوم على نقائها. فهناك حيث الضحكة بلا سبب، والقرب بلا حساب، والصدق بلا حذر.

فتمرّ في تلك الرحلة على تفاصيل لا تُرى لكنها تُحسّ: صوتٍ كان يناديك بنبرةٍ مختلفة، مكانٍ كان يختصر المسافات، ووجوهٍ كانت تُشبه الطمأنينة قبل أن تتعلّم الغياب. فتمشي محاطًا بأشخاصٍ لم يعودوا، وأحلامٍ لم تكتمل، ونسخٍ قديمة منك تُحدّق فيك وكأنها تسألك هل تغيّرت أم أنك فقط تعلّمت أن تُخفي نفسك؟

وفيزا الذكريات، بالرغم من دفئها، ليست دائمًا ملاذًا آمنًا، فبعض المحطات تعيدك إلى وجعٍ لم يكتمل شفاؤه، وتفتح أبوابًا أغلقتها على عجل، وتُذكّرك بأن بعض الخسارات لا تُعوَّض بل تُفهم فقط. وهنا تكمن المفارقة، فنحن لا نعود إلى الذكريات لأننا ننسى، بل لأننا لم نفهمها كما يجب في وقتها.

فالذاكرة ليست أرشيفًا للصور بل تفسيرٌ متأخر للحياة.

والماضي لا يعود لكنه يعيدنا.

وما نظنّه حنينًا قد يكون محاولةً أخيرة للفهم.

فهي تأشيرة بلا تاريخ انتهاء، تزورك حين لا تتوقّعها في رائحةٍ عابرة، في أغنيةٍ قديمة، في زاوية شارعٍ مررت به صدفة فتدرك أن بعض الأماكن لا تُغادرنا، بل نحن من نغادرها فقط.

وتُعلّمك كذلك أن بعض الأشياء كانت جميلة لأنها لم تدم، وأن بعض العلاقات بقيت نقية لأنها لم تُختبر طويلًا، وأن النهايات، مهما بدت قاسية، كانت أحيانًا رحيمة بما يكفي لتحفظ ما تبقّى من الجمال.

فالإنسان لا يشتاق للماضي لأنه أفضل بل لأنه مفهوم.

أما الحاضر فيُربكنا لأنه ما زال يتشكّل.

والمستقبل يُخيفنا لأنه بلا ذاكرة.

وفي كل مرة تعود فيها، تكتشف أن الذكريات لا تُعيد الأشخاص بل تكشف حقيقتهم فيك. وأن بعضهم رحل من حياتك لكنه لم يرحل من تفسيرك لنفسك.

لذلك لا تُفرط في البقاء هناك، فالذكريات إن سكنتك أكثر مما تزورها، تُبطئك عن الحياة. ولا تُغلق الباب تمامًا، فبعض ملامحك الأولى لا تعيش إلا هناك. واجعل بينك وبين فيزا الذكريات علاقةً ناضجة تزورها لتفهم، لا لتُقيم.

وفي النهاية ليست المشكلة في أن نعود، بل في أن ننسى الرجوع. فالحياة لا تُكتب إلا إلى الأمام، أما الذكريات فهي الهامش الذي يشرح الحكاية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.