: آخر تحديث
نعرف الصحافة كلام جرائد لكن لا نعرفها مخترعة أمم عظيمة:

على هامش اليوبيل الفضي لإيلاف

1
1
1

كان من أكبر تحديات الصحافة ما يُشاع عنها بحسن نية، أو سوء سياسة تخشاها، أنها "كلام جرائد"، فلم يكن على الصحافة هينًا ولا يسيرًا نسف التحصن الشعبوي خلف متراس هذا المثل السائر عن الصحافة، ولا يقتصر ترديد هذا المثل شعبيًا على سعة انتشاره، بل ينتهج مضمونه كبار السياسيين التاريخيين مثل توماس جيفرسون أحد أبرز مؤسسي الولايات المتحدة الأميركية وكاتب إعلان استقلالها.

الذي كان يردد "لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في الصحف، حتى الحقيقة نفسها تُصبح موضع شك عند وضعها في هذا الوعاء الملوث"، ويزداد تهكمًا فيردد "تحتوي الإعلانات على الحقائق الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في الجرائد". ويتضمن القولان إعادة صياغة المثل الشعبي، وهما يشكلان استراتيجية عميقة لممارسة السياسيين في الغرب والشرق.

عانت الصحافة تجاوز عوائق هذه الرؤية فعاشت بين مطرقة مقولة "الصحف غير قادرة على التمييز بين حادث دراجة وانهيار حضارة" تعبيرًا عن سمة المبالغة في الصحافة، وسندان ترويج السياسيين لمقولة "الصحافة إشاعات منظمة" بهدف التخلص من أثرها.

وثمة من آمن بأثر الصحافة ودورها البنائي التنويري فدعا إلى تعظيمها مثل العالم الأميركي ومخترع الهاتف ألكسندر غراهام بيل الذي قال "أميركا بلد المخترعين، وأكبر مخترعيها هم رجال الصحافة". وقد واجهت بشراسة سردية التحديات هذه وغيرها الكثير الصحافة العربية الورقية حين كانت متابعتها طقسًا ثقافيًا رومانسيًا أسيرًا لدى أجيال لها تاريخ.

أما إيلاف فشكلت في انطلاقتها تحديًا إضافيًا، فذلك زمن كانت له صحفه، ومجلاته الأثيرة عند المتابعين والصحافيين، وكان عسيرًا على صحافة إلكترونية أن تجد مكانًا لها في نفس المتابعين، فضلاً عن انعدام الثقة بالمعلومة الإلكترونية ومنشوراتها، وكسرها لمناخ المتابعة الرومانسية. وفق هذه العوائق التي تشتت مقدرات الصحافي في إنتاج مادة تعمل على تبديد الموقف السلبي من النشر الإلكتروني بدلاً من الاهتمام بالأفكار وطرق عرضها، فصار العبء مضاعفًا على كتابها.

غير أن إيلاف من غير تمجيد استقطبت عددًا من المحررين والكتاب الذين كانوا على قدر غير هين من حساسية الرهان ومتطلباته، فحبت إيلاف نحو إشراقتها بتؤدة، واستطاعت تحقيق قدر من الخصوصية التي تميّز خطها التحريري، فضلاً عن القسط المهم من المصداقية فيما تنشره، وكانت ذات إشراق ملفت في زوايا الرأي التي تفسح لنفسها حيزًا في الوجدان الثقافي العربي لما امتلكه كتابها من موهبة متينة في صيغة توجهات فكرية حديثة، وتميّز بعضها بفرادة في تحليل الأحداث والظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. وكان الفضل لبعضهم في انتهاج سبل براقة في مقالات الفكر المستقبلي الذي لم يشع بسعة في الفكر السياسي والثقافي العربي، والتوجه الأخير حاجة حقيقية لتجاوز التحليلات التقليدية وإعادة تدوير الأفكار المستهلكة، ومخاطبة جيل العصر وفق تكوينه المعاصر الذي ينتمي إلى العالم الرقمي والافتراضي، ويعيش جزءًا من كينونته في استشراف مستقبله.

ربما تكون أية شهادة من كتاب إيلاف مجروحة، لكننا من غير الاستغراق في تمجيد هذه التجربة الإعلامية المهمة، نرى أنها منبر إشراقي حقق هويته الإعلامية الخاصة ونمطه الثقافي والفكري اللذين ينتميان إلى عصر المعرفة الدقيقة وتحولاتها المستمرة، ونأمل بتأصيل إشراقاتها، وتوليد المزيد من المزايا الصحافية الرقمية، ونتمنى لأعوامها الفضية أن تتحول ذهبية شكلاً ومضمونًا، وأن تبقى إيلاف ملاذًا لذوي العقول النيرة، وأصحاب الرؤى المستقبلية، فتلك مجالات الصحافة المتطورة التي نحتاج إليها لنتطور، ولا يعوزنا أن نحقق عربيًا مقولة ألكسندر غراهام بالعربي: العرب على أمل أن يكونوا بلد المخترعين في المستقبل، وليكن أكبر مخترعيها رجال الصحافة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.