بمناسبة احتفال إيلاف بيوبيلها الفضي كأول موقع إخباري إلكتروني في العالم العربي، من دواعي سروري أن أشيد بعمل الموقع لما يبديه من انفتاح وتنوع وتعددية في وجهات النظر، كما أتقدم له بالشكر والامتنان على إفساح المجال أمامي كإسرائيلي لأقدم إلى القارئ العربي وجهة نظري وصورة متكاملة للأوضاع في إسرائيل والمنطقة، وذلك بحرية تامة ودون قيود، تماشيًا مع قواعد المهنة الصحافية. وبهذا النهج الصحافي المهني الأصيل يقدم موقع إيلاف، لمدة ربع قرن، خدمة للقراء والمتصفحين العرب لا تقدر بثمن.
وفي هذا السياق رأيت من المناسب استعراض تنامي الحضور الإسرائيلي في ساحات الإعلام العربي، حيث أصبح مشهدًا روتينيًا.
كان حضور المتحدثين الإسرائيليين في وسائل الإعلام العربية بمثابة ضرب من الخيال لعقود طويلة. فقد نُظِر إلى إسرائيل في الإعلام الرسمي العربي ككيان صلب وبعيد لا يُسمع صوته إلا من خلال فلاتر مشددة من الدعاية والرقابة المحلية. ومع ذلك، أحدثت العقود الثلاثة الماضية ثورة دراماتيكية، حوّلت الإسرائيليين إلى مشاركين دائمين، وبارزين في كثير من الأحيان، في السجال العام العربي.
تصدعات أولى في المحظور: ثورة الأقمار الصناعية
بدأت نقطة التحول التاريخية في منتصف التسعينيات مع تأسيس شبكة الجزيرة القطرية. وتحت شعار "الرأي والرأي الآخر"، صدمت الشبكة العالم العربي عندما بدأت في استضافة سياسيين، وعسكريين، وأكاديميين إسرائيليين على الهواء مباشرة.
لأول مرة، استمع المشاهد العربي إلى ما يقوله الإسرائيلي مباشرة على شاشة تلفزيونه دون وساطة. وقد أثارت هذه الخطوة حينها غضبًا عارمًا لدى أوساط واسعة من المجتمعات العربية واتهامات بـ"التطبيع"، لكنها فتحت سدًا لم يعد من الممكن إغلاقه. مما حدا بشبكات إخبارية عربية منافسة، مثل العربية السعودية، وسكاي نيوز وغيرهما، إلى أن تحذو حذوها لتحافظ هي الأخرى على المصداقية ونسب المشاهدة.
عصر منصات التواصل الاجتماعي: الوصول مباشرة إلى المشاهد والمتصفح العربي
مع دخول الإعلام الرقمي، شهد الحضور الإسرائيلي تحولًا استراتيجيًا: فمن ضيوف يعتمدون على أهواء المحررين العرب، تحولت جهات إسرائيلية رسمية وخاصة إلى صناع محتوى مستقلين.
الإعلام العسكري: تحول نشاط وحدة المتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي للإعلام العربي (بقيادة شخصيات أصبحت معروفة في كل بيت عربي، مثل أفيخاي أدرعي) إلى ظاهرة رقمية، حيث أوجد أسلوب صياغة رسائلها تفاعلًا يوميًا مباشرًا مع المتصفحين.
تجاوز المؤسسة الرسمية: أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للإسرائيليين مخاطبة "الشارع العربي" مباشرة، فوق رؤوس الأنظمة ومحطات التلفزيون التقليدية.
اتفاقيات إبراهيم والشرعية المهنية
جلب توقيع اتفاقيات إبراهيم عام 2020 موجة جديدة وغير مسبوقة من الحضور الإسرائيلي، لا سيما في القنوات الخليجية (مثل سكاي نيوز عربية وقنوات إماراتية وسعودية رائدة).
وفي هذه المرحلة، تغير الخطاب بشكل ملحوظ؛ لم يعد الأمر يقتصر على "الدعاية تحت النار" أو المواجهات الصاخبة حول القضية الفلسطينية، بل تعداه إلى مشاركة روتينية لمحللين سياسيين، وصحافيين، ورجال أعمال إسرائيليين في نقاشات استراتيجية. وبدأ الإسرائيليون في الظهور ضمن ندوات مهنية تناقش اقتصاد المنطقة، والتهديد الإيراني، والعلاقات الخارجية، حيث يُنظر إليهم كشركاء شرعيين في تحليل الواقع الشرق أوسطي.
الجسر إلى المشاهد: متحدثون باللغة العربية الأصيلة
سُجِّل جزء رئيسي من هذا التطور باسم إعلاميين يهود يتحدثون العربية بطلاقة، إلى جانب مؤثري شبكات ونشطاء من بين المواطنين العرب في إسرائيل. وجلب حضورهم على الشاشات العربية بعدًا جديدًا: فقد تحدوا المفاهيم النمطية الجامدة في العالم العربي تجاه المجتمع الإسرائيلي، وقدموه كمجتمع متعدد الثقافات وحيوي، وليس ككتلة سياسية أو عسكرية واحدة.
ختامًا، بالرغم من الاستقطاب العميق والتوترات الجيوسياسية القائمة (والتي تفاقمت بفعل جولات القتال في السنوات الأخيرة)، فإن الحضور الإسرائيلي في وسائل الإعلام العربية بات حقيقة واقعة. لم يعد الإسرائيليون مجرد شخصيات كرتونية بعيدة، بل هم فاعلون، حاضرون ومؤثرون في ساحة الإعلام الإقليمي. وسواء كان الأمر يتعلق بمواجهات حادة على شبكات الفضائيات أو بمقالات في منصات مختلفة، فقد أصبح الصوت الإسرائيلي جزءًا لا يتجزأ من المشهد الإعلامي للشرق الأوسط العصري مما قد يساهم في زيادة الانفتاح والتفكير المتنوع لدى جميع الأطراف في المنطقة.

