بمناسبة اليوبيل الفضي لموقع إيلاف، أهنئ جميع القائمين عليه، وارتأيت أن أُسلّط الضوء على عدد من النقاط من أجل جذب انتباه القارئ، الذي هو في نهاية المطاف من يتلقّى المعلومة والفكرة والرأي. وهنا أؤكد على ما قاله كارل ماركس بأن الإنسان هو أثمن رأس مال؛ أي بعبارة أخرى فمهما حمل من تصورات وأفكار، يجب احترام كينونته وكرامته، بغضّ النظر عن الاختلاف معه.
لا شك أن ليس هناك شيء محايد في هذا العالم؛ ومن يدّعي الحياد، فهو إما لا يعرف أين يقف، أو قرر أن يحجب حقيقته السياسية من أجل تضليل الآخر. وينطبق هذا المنظور أيضًا على جميع وسائل الإعلام والفضاء الرقمي. في عالمنا العربي، كان الدفاع عن العلمانية والمدنية، ونقد الإسلام السياسي كمنظومة فكرية وسياسية واجتماعية، غائبًا بشكل كبير عن وسائل الإعلام. وحتى لدى العديد ممن يُصنَّفون ضمن اليسار، كان هناك تردّد أو خشية أو محاولة لخفض الرؤوس أمام التيارات الإسلامية، التي أغرقت المجتمعات بأفكار أقلّ ما يُقال عنها إنها مناهضة للإنسانية.
وقد سعت هذه التيارات إلى قولبة المجتمع وفق منظومتها، ليس فقط عبر الإرهاب والقتل والتصفية الجسدية، بل أيضًا من خلال التكفير والتسقيط السياسي والأخلاقي، والنيل من صورة معارضيها بمختلف الوسائل. أما الحوار، كما هو معلوم، فكان بعيدًا كل البعد عن ممارساتها؛ وعندما تتعرض لضغوط سياسية أو اجتماعية، تحاول اتباع أسلوب "التقية" وإظهار التزامها بالديمقراطية وحرية الرأي، لكن ضمن حدود مرتبطة بتوازن القوى في المجتمع.
لقد كانت وسائل الإعلام التي تدافع عن العلمانية وتنشر الفكر التحرري، وخاصة في ما يتعلق بقضايا المرأة، قليلة قبل خمسة وعشرين عامًا. وفي تلك المرحلة، سادت سردية ما سُمّي بـ"الصحوة الإسلامية"، التي بلغت ذروتها بعد ما عُرف بالربيع العربي، والذي كان - في حقيقته - ربيعًا قروسطيًا بأنامل الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة الأميركية من مؤسسات سياسية وشخصيات نافذة ومراكز الدراسات والبحثية التي كان يقودها آنذاك إدارة باراك أوباما. وبعبارة أدق، كان خريفًا مرّ على الإنسان والإنسانية، إذ أعاد إحياء أفكار معادية للمرأة والحرية، وقمع مفاهيم المساواة تحت هذا العنوان.
كما جرى توظيف هذه المرحلة لاحتواء الثورات التي طالبت بالحرية والمساواة، وتحريف مسارها، واستغلّ الغرب "الديمقراطي" ذلك عبر فتح جوامعه ومساجده، من خلال الخطب الدينية، بالتنسيق والتعاون مع الأجهزة المخابراتية، لتجنيد الشباب للالتحاق بالجماعات الإرهابية الإسلامية من كل حدب وصوب، في سوريا وليبيا، مما أسهم - بشكل أو بآخر - في تغذية الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم. فها هو مبتلى بمعسكرات مكتظة بالإرهابيين في سوريا والعراق، مثل معسكر الهول وروج، وسجون مثل الشدادي والأقطان وغويران وبانوراما وغيرها، التي لا يعرف كيف يعيد تأهيلهم.
لقد أفردت إيلاف صفحاتها لنقد الإسلام السياسي والدفاع عن العلمانية، وتحولت، من بين المنابر القليلة، إلى وسيلة تفضح الأساليب والدعايات التي روّجت لفكرة أن العلمانية كفر وإلحاد، مؤكدة أن المجتمع العلماني، بقيمه المدنية والحضارية، هو الأقدر على صون السلم المجتمعي. ويمكن أن تؤسس هذه الرؤية لدولة علمانية في البلدان العربية تحقق المساواة الدينية والجنسية، التي مُنعت فيها أي "العلمانية" حتى من التداول كأفكار ومشاريع ومقترحات، من قبل التيارات الإسلامية والقومية التي كانت تختبئ تحت مظلتها، تحت مبررات بأن العلمانية بدعة غربية ولا يمكن تطبيقها على مجتمعاتنا، لأنها تدرك أن العلمانية تحرمها من الامتيازات المادية التي تجنيها تحت مظلة الأوقاف، كما تسحب الشرعية السياسية من وجودها. فهي تراهن دائمًا على الفقر والجهل وقمع الحرية.
وبالرغم من انتمائي إلى المدرسة الماركسية، فإن إيلاف لم تتردد في نشر مقالاتي، انطلاقًا من دفاعها عن حرية الرأي والتعبير. كما أسهمت إيلاف في كسر العديد من التابوهات، من خلال فتح باب الحوار مع مختلف التيارات والشخصيات، بغضّ النظر عن منطلقاتها الفكرية والسياسية.
لقد استطاعت إيلاف أن تحتل موقعًا متقدمًا بين وسائل الإعلام الرصينة، من خلال دفاعها عن الحرية والفكر التحرري والعلمانية، وفتح المجال لنقد التصورات التي تنتقص من قيمة المرأة والإنسان عمومًا.
إنَّ هذا الفضاء يشجّع أصحاب الفكر الحر، ويمنح القارئ فرصة الاطلاع على أفكار وتصورات خارج الصندوق الذي فرضته الأنظمة القمعية، بغضّ النظر عن التيارات الأيديولوجية التي تمثلها. وكما يقول فولتير: قد أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد للدفاع عن حقك في التعبير عنه حتى النهاية.

