قبل خمسة وعشرين عامًا، في لندن التي لا تنام على وقع أمطارها الهادئة، وُلِدت تجربة كانت مغامرة نادرة: جريدة عربية لا ورق لها، لا حبر يلطخ الأصابع، لا صوت لآلة الطباعة عند الفجر. كانت إيلاف أول من جرؤ على القول: يمكن للصحافة أن تسافر عبر الأسلاك، وأن تصل إلى القارئ قبل أن يجف فنجان قهوته.
كنت حينها شابًا يمسك بالقلم كمن يمسك بجمرة. وأتذكر أنني شعرتُ، وأنا أتصفح تلك الصفحات البيضاء التي تضيء من شاشة الكمبيوتر، أن شيئًا كبيرًا يحدث. كأنما فُتحت نافذة على عالم جديد لم نكن نعرفه من قبل: فضاء بلا حدود، رأي دون رقيب، لقاء بين كاتب في بيروت وقارئ في الدار البيضاء، في لحظة واحدة، وكأن الجغرافيا تذوب لصالح سرعة المعنى واتساعه.
كانت ولادة إيلاف متزامنة مع ارتباك الصحافة العربية أمام العصر الرقمي. فبينما خافت مؤسسات كثيرة من الشاشة، وتراجعت إلى ورقة مطبوعة تئن تحت وطأة المجهول، اختارت إيلاف أن تدخل إليها مبكرًا، لا بوصفها تهديدًا، بل بوصفها مستقبلًا. مستقبلًا لا يُلغى، ولا يُؤجل، بل يتسلل بهدوء حتى يصبح واقعًا لا يمكن إنكاره.
لم تكن إيلاف مجرد نافذة، بل مرآة لعربي ما بعد التسعينيات. مرآة تعكس انكساراتنا وطموحاتنا، حروبنا وأحلامنا، يأسنا وتلك النبضة العنيدة التي لا تموت: نبضة الأمل في التغيير. في صفحات الرأي، التي أصبحت عنوانًا للجريدة قبل خبر العناوين الرئيسية، تعلّمنا أن الكتابة في عصر الرقمنة ليست إلقاء للحقيقة، بل صناعة للحقيقة مع القارئ، وأن المعنى لا يكتمل إلا حين يُناقش ويُختبر في العلن.
لم يعد الكاتب ذلك الواعظ المنفرد على منبره، بل صار شريكًا في رحلة بحث، يُخطئ ويُصيب، يثير السؤال ويترك الباب مواربًا، وكأن النص صار كائنًا حيًا يتنفس خارج صاحبه.
أذكر أنني استقبلتُ مقالي الأول في إيلاف بخوف المبتدئ. ظننت أن العالم سينقض عليّ. لكنني فوجئت بالفضاء الرحب الذي تتركه هيئة التحرير لأصحاب الأقلام. كنا في بيت زجاجي، نُرى ونرى، نُنتقد وننتقد. في ذلك، تحديدًا، كانت الحرية. ليس الحرية التي تُعلن في البيانات، بل تلك التي تُمارس يوميًا: في الاختلاف دون خصام، في النقد دون تجريح، وفي أن يكون الرأي للرأي الآخر مثلما هو لي.
ولستُ من الذين رافقوا إيلاف منذ بدايتها، لكنني كلما كتبت فيها شعرتُ كأنها كانت تعرفني قبل أن أصل إليها، وكأن بيني وبينها موعدًا مؤجلًا لم أكن أعرفه. عمري معها ليس عمرها، لكنه كان كافيًا لأشعر أنها منحتني مكانًا داخل تاريخها الممتد.
ومع تحول الإعلام الجديد، وتكاثر المنصات، واختفاء الحدود بين النشر والتغريد، ظلت إيلاف ثابتة على جوهرها: الاحترام. احترام القارئ، فلا نُغذيه بالسطحية. احترام الكاتب، فلا نطويه في قالب جامد. واحترام الخبر، قبل أن يبتلعه ضجيج العابرين. في زمن صار فيه الجميع صحافيًا، وصارت الضجة مقياسًا للوصول، ظلت إيلاف ذلك الصوت الهادئ العميق الذي يذكّرنا بأن الصحافة رسالة، لا مجرد سجال عابر، بل بناء بطيء لذاكرة لا تُمحى.
لقد رأت إيلاف فينا، نحن الكتّاب، أكثر من مجرد أسماء تملأ فراغات بيضاء. رأت شركاء في المشهد الثقافي والسياسي. وكثيرًا ما تلقيت رسائل من قراء لا أعرفهم، يقولون: "مقالك اليوم قلب شيئًا في رأسي"، أو "أختلف معك، لكني أحترم أنك قلته". وهذه لحظة التتويج الحقيقية لأي كاتب: أن يصنع وعيًا، أو حتى شكًا، في قلب قارئ لم يره يومًا.
وفي كثير من الليالي، كنت أكتشف أن قارئًا مجهولًا في أقصى المغرب أو الخليج صار أقرب إليّ من جدران الغرفة التي أكتب فيها، لأن النص حين يخرج من العزلة يتحول إلى مساحة مشتركة بين أرواح لا تلتقي.
خمسة وعشرون عامًا. أرى أمامي الآن كل كتاباتي التي نشرتها لديك، كأوراق خريف متناثرة، لكنها معًا تشكل غابة. وأرى كل القراء الذين علّقوا، اختلفوا، استفزّهم رأي فأضافوا إليه. أرى كل اللحظات التي كنا فيها معًا، بالرغم من البعد، بالرغم من الجائحات، بالرغم من كل شيء. إيلاف كانت، بالنسبة إليّ، وطنًا صغيرًا، لا تُرسم حدوده بالخرائط، بل بالأسئلة والكلمات وحرية الضمير.
وحين كنا ممنوعين في مكان ما، كنا حاضرين فيها. وحين اشتدت الأزمات، وجدنا فيها مساحة نتنفس، وكأنها نافذة لا تُغلق على هواء العالم.
لذلك، في هذه المناسبة، لا أريد أن أبكي على زمن مضى، ولا أن أطلق أوصافًا احتفالية جوفاء. بل أريد أن أشهد أن الطريق لا يزال طويلًا. العالم يتغير، والصحافة تتبدل أدواتها، لكن الثابت هو الحاجة إلى قلم حر، ومنبر نقي، وكلمة تصدق ما يختلج الصدور. أيتها الجريدة التي كبرت معنا وكبرنا معها: نحن لا نودعك، بل نعاهدك أن تبقى الكلمة فيها شعلة، والصفحات مرفأ، والرأي - مهما تشعب - يظل في خدمة الإنسان العربي، بحزنه وفرحه، بغضبه ورجائه.
شكرًا لإيلاف، هذا البيت الذي لم يغلق بابه في وجه الكلمة. وشكرًا لكل زملاء وزميلات الكلمة، الذين جعلوا من هذا الملف الفضي وليمة للروح.
خمسة وعشرون عامًا مرّت، وما زلنا نؤمن أن الكلمة الحرة ليست رفاهية، بل شكل من أشكال النجاة.

