: آخر تحديث

إيلاف: حين سبقت الورق إلى المستقبل

0
0
0

قبل خمسة وعشرين عامًا، حين كانت الصحافة العربية ما تزال تنظر إلى الإنترنت كنافذة ثانوية أو ترف تقني، خرجت إيلاف من لندن بفكرة بدت للكثيرين مغامرة غير مأمونة: صحيفة عربية يومية بلا ورق، تعيش في فضاء إلكتروني مفتوح، وتخاطب قارئًا عربيًا يتشكل خارج الحدود والجغرافيا والرقابة التقليدية، يومها، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول هذا المشروع إلى واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ الصحافة العربية الحديثة.

لم تكن إيلاف مجرد موقع إخباري سبق زمنه، بل كانت انتقالًا مبكرًا من صحافة المنابر المغلقة إلى صحافة الفضاء المفتوح؛ من احتكار الرأي إلى تعدده، ومن مركزية الخطاب إلى فسيفساء الأصوات، وربما لهذا السبب بالتحديد، وجدت فيها نخب كثيرة من الشرق الأوسط مساحة نادرة للكلام الحر، خارج الاصطفافات الحادة والقيود الثقيلة التي كبّلت الإعلام العربي لعقود طويلة.

بالنسبة إلى كثير من كتّاب كوردستان، لم تكن إيلاف مجرد صحيفة، بل نافذة عبور إلى القارئ العربي، ومنبرًا أتاح للقضية الكوردية أن تُطرح بلغتها السياسية والثقافية والإنسانية بعيدًا عن التشويه أو الاختزال، كانت من أوائل المنابر العربية التي فتحت صفحاتها للكوردي والتركماني والأمازيغي والقبطي والإيزيدي والمسيحي والمسلم بمذاهبه المختلفة، لا بوصفهم "أقليات" تبحث عن هامش، بل مكونات أصيلة تمتلك حق السرد والتعبير والتفكير.

وخلال أكثر من عقد من الكتابة في فضائها، بدا لي أن قيمة إيلاف الحقيقية لم تكن فقط في نشر المقالات، بل في خلق مناخ يسمح بالاختلاف دون تخوين، وبالنقد دون إقصاء، وبطرح الأسئلة المؤجلة في السياسة والثقافة والدين والمجتمع، وهذا تحديدًا ما جعل صفحات الرأي فيها أقرب إلى مختبر فكري عربي مفتوح، لا إلى منصة دعائية أو نشرة سياسية عابرة.

لقد غيّرت الصحافة الرقمية، التي كانت إيلاف إحدى أبرز روادها العرب، شكل العلاقة بين الكاتب والقارئ، وأسقطت كثيرًا من الحواجز النفسية والسياسية والجغرافية، صار المقال يُقرأ في أربيل وبغداد ودمشق والقاهرة والرباط ولندن في اللحظة نفسها، وصار النقاش أكثر سرعة وجرأة وتأثيرًا، حتى وإن حملت هذه السرعة معها شيئًا من الفوضى والانفعال والاستقطاب.

لكن وسط هذا الضجيج الرقمي الهائل، حافظت إيلاف على شيء مهم: روح المنبر الحر، وربما هنا تكمن قيمة اليوبيل الفضي الحقيقي؛ ليس في عمر المؤسسة فقط، بل في قدرتها على البقاء مساحة للرأي المختلف، وللكتابة التي لا تخشى الأسئلة، وللقارئ الذي يريد أن يفكر، لا أن يُلقَّن!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.