: آخر تحديث

الحزام الأخضر في أربيل

3
3
4

في منطقة تُصنف اليوم بين أكثر مناطق العالم هشاشة أمام التغير المناخي والتصحر وارتفاع درجات الحرارة، تحاول أربيل أن تقدم نموذجًا مختلفًا للتنمية الحضرية، عبر مشروع "الحزام الأخضر" الذي يُعد واحدًا من أكبر المشاريع البيئية في العراق خلال السنوات الأخيرة.

المشروع، الذي أُطلق بتوجيه من مسرور بارزاني، لا يقتصر على زراعة الأشجار أو تحسين المشهد الجمالي للعاصمة، بل يمثل محاولة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقة بين المدينة والبيئة، في وقت تواجه فيه مدن الشرق الأوسط مستويات متزايدة من التلوث والتصحر والعواصف الترابية.

بحسب بيانات رسمية صادرة عن دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة إقليم كوردستان، فإن المشروع يستهدف زراعة نحو 7 ملايين شجرة زيتون وفستق حول أربيل، ضمن حزام دائري يمتد بطول 78 كيلومترًا وبعمق يصل إلى كيلومترين، ليشكل ما يشبه "الجدار البيئي" الذي يحيط بالعاصمة ويحميها من التلوث والزحف الصحراوي.

وتُقدَّر كلفة المشروع بنحو 7 ملايين دولار، فيما يشارك في تنفيذه أكثر من 300 موظف وعامل، إضافة إلى فرق هندسية وفنية متخصصة تعمل على تنظيف الأراضي وتهيئتها وتنفيذ عمليات الري والتشجير باستخدام معدات حديثة. وتشير التقارير المحلية إلى أن المرحلة الأولى من المشروع شهدت زراعة مئات الآلاف من الشتلات، مع نجاح نمو مئات الأشجار المثمرة حتى الآن، تمهيدًا للتوسع في المرحلة الثانية التي ستغطي المناطق الممتدة من بحركة إلى طريق الموصل – أربيل.

لكن أهمية المشروع لا تكمن في حجمه فقط، بل في توقيته أيضًا. فالعراق يُعد من أكثر خمس دول تأثرًا بالتغير المناخي وفق تقارير الأمم المتحدة، بينما تشهد المنطقة الشمالية من البلاد تراجعًا ملحوظًا في الغطاء النباتي وازديادًا في موجات الغبار والجفاف خلال السنوات الأخيرة.

ولهذا، ترى حكومة إقليم كوردستان أن الحزام الأخضر ليس مشروعًا تجميليًا، بل جزء من سياسة بيئية طويلة الأمد تهدف إلى تحسين جودة الهواء وتقليل الانبعاثات الكربونية. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن المشروع قادر على امتصاص ما بين 140 ألفًا إلى 210 آلاف طن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنويًا، إضافة إلى خفض مستويات الغازات السامة والجسيمات الدقيقة المسببة لأمراض الجهاز التنفسي.

كما تتوقع الجهات المشرفة أن يساهم المشروع في خفض درجات الحرارة داخل المدينة وتقليل تأثير العواصف الترابية التي أصبحت تهدد الحياة اليومية في أجزاء واسعة من العراق. ووفق دراسات بيئية ضمن الخطة الحكومية، فإن الأشجار المزروعة ستعمل أيضًا كمصدات طبيعية للرياح، وستساعد في تثبيت التربة والحد من التصحر المتسارع.

اقتصاديًا، يحمل المشروع أبعادًا تتجاوز البيئة. فزراعة ملايين الأشجار المثمرة من الزيتون والفستق تعني مستقبلًا إنتاجًا زراعيًا يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي محلي، فضلاً عن خلق فرص عمل دائمة في مجالات الزراعة والصيانة والخدمات البيئية. كما أن الحكومة تراهن على أن توسيع المساحات الخضراء سيزيد من جاذبية أربيل للاستثمار والسياحة، خصوصًا في ظل التوسع العمراني السريع الذي تشهده المدينة.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن نجاح المشروع سيعتمد على قدرة الحكومة على ضمان استدامته، خصوصًا في ما يتعلق بتأمين المياه والصيانة طويلة الأمد، في منطقة تواجه أصلاً تحديات مائية متزايدة. ولهذا السبب، تتضمن الخطة إنشاء أحواض مائية لدعم عمليات الري والحفاظ على استمرارية الغطاء النباتي.

وبالرغم من أن الطريق ما يزال طويلاً أمام اكتمال المشروع، إلا أن الحزام الأخضر في أربيل يعكس تحوّلًا مهمًا في طريقة التفكير التنموي داخل إقليم كوردستان؛ من التركيز على البنية التحتية التقليدية فقط، إلى الاستثمار في البيئة بوصفها جزءًا من الأمن الصحي والاقتصادي والاجتماعي.

في منطقة اعتادت على رؤية الأشجار تُقتلع بسبب الحروب والإهمال والجفاف، تحاول أربيل اليوم أن تبني سردية مختلفة: مدينة تنمو بالإسمنت، ولكنها لا تتخلى عن اللون الأخضر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.