الصدفة وحدها أتاحت لنا أن نكون أصدقاء وزملاء في مهنة الصحافة، تلك المهنة التي شغفنا بها منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي. فمنذ خمسة وخمسين عامًا، التقينا كثيرًا في لندن وفي عواصم عديدة جمعتنا كأصدقاء وزملاء مهنة، وكنا معًا متعلقين بذلك التطور الصحفي والمهني الذي تميزت به الصحافة البريطانية مهنيًا وتقنيًا في ذلك الزمن الجميل.
معًا، أنا وعثمان، كنا نجوب شارع فليت (Fleet Street)، الذي كان يُعد من أشهر شوارع العالم بما احتواه من مؤسسات صحفية عريقة ووكالات أنباء عالمية، وكان يعج بآلاف الصحفيين والمراسلين والكتاب المرموقين، إضافة إلى المطاعم والمقاهي التي كانت تجمع الصحفيين والكتاب ليلتقوا فيها سريعًا قبل أن يعودوا إلى مكاتبهم في ذلك الشارع العريق.. شارع الصحافة.
معًا، أنا وعثمان العمير، كنا نتعلم ونمارس عملنا الصحفي بشغف لا مثيل له. كانت أفكارنا تمتزج بروح المعرفة كي نكون قادرين على العمل في مهنة الصحافة والتميز فيها، متأثرين بمن سبقونا، ومقتدين بروح المغامرة الصحفية التي عشناها وعشقناها.
جاء عثمان إلى لندن مشاكسًا، كشاب عربي طموح أراد اقتحام المهنة بإصرار على النجاح. واستطاع أن يتقدم بخطوات سريعة لكنها ثابتة نحو مبتغاه في أن يكون صحفيًا متميزًا. صحيح أنه بدأ متدرجًا في سلم المهنة، كحال كل الصحفيين المتميزين، لكن قدرته وإصراره جعلا النجاح طريقًا له، حتى وصل إلى أعلى القمم في العمل الصحفي حين أصبح رئيسًا لتحرير صحيفة الشرق الأوسط في لندن، ليقود أهم صرح صحفي خارج الوطن العربي لسنوات طويلة من النجاح والتميز.
جاء بأفكار ورؤى تختلف عمّن سبقوه في العمل الصحفي القيادي، إلى أن جاءت النقلة الكبيرة والجريئة حين آمن بأن المستقبل الصحفي والإعلامي هو الصحافة الإلكترونية، ليُحدث نقلة غير مسبوقة في الصحافة والإعلام العربي. كانت خطوة كبيرة من عثمان، حين انتقل من الصحافة التقليدية إلى الصحافة العربية الإلكترونية، مطلقًا صحيفة إيلاف من لندن.
هو عثمان العمير، الصديق والزميل الذي رافقت نجاحاته، وشاهدت كيف شق الطريق الصعب، فكان النجاح طريقه الذي لم يستكن عنه، وما زال يحفز فينا روح الصحافة الحقيقية.
كان للعمير دور وأسلوب وإصرار في نقل الصحافة العربية من التقليدية إلى الإلكترونية في لندن، بأسلوب تحريري يعكس روح المهنة.
إعادة هيبة الصحافة ومنحها معناها الحقيقي
جاء العمير في زمن تعبت فيه المهنة، واختلطت فيه المعايير، فكان أحد الأسماء التي عملت على إعادة هيبة الصحافة ومنحها معناها الحقيقي. وبقدر ما كانت له صداقات كثيرة، كان له أيضًا من يختلف معه في النهج والرأي، وهو ما حفّزه على مزيد من العمل والنجاح.
يأتي عثمان العمير، الصديق والزميل الذي رافقناه منذ بداياته ولحظات نجاحه، وكنت دائمًا أرى فيه نموذجًا للصحفي الذي لا يكتفي بما يراه أمامه، بل يصنع طريقه بنفسه.
لم تبدأ رحلة العمير سهلة، ولم يكن انتقاله مجرد انتقال شكلي من مكان إلى آخر، بل كان انتقالاً فكريًا ومهنيًا عميقًا. فانتقاله من الصحافة التقليدية إلى الصحافة العربية الإلكترونية في لندن لم يكن مجرد "خطوة"، بل قرارًا شجاعًا يتطلب رؤية، وحسًا مهنيًا، وإيمانًا بأن الصحافة ليست ورقًا أو صفحات مطبوعة، بل جوهرًا، وسؤالاً، وتقصيًا، ومسؤولية أمام القارئ.
من التقليدي إلى جوهر الصحافة
علمت الصحافة التقليدية العمير الانضباط والدقة واحترام المسار التحريري. وتعلّم من بيئتها كيف تُدار الرواية الخبرية، وكيف تُبنى المادة الصحفية على أساس معلومات موثقة، وكيف تُقاس الكتابة بقدرتها على خدمة الحقيقة لا الزينة والشكل. لكن ما يميزه أكثر أنه لم يتوقف عند ما اكتسبه، بل واجه التحول الإعلامي كما ينبغي، لا بخوف ولا بتردد، بل بجرأة محسوبة.
وحين اتجه العمير إلى الصحافة العربية الإلكترونية في لندن، لم يكن يهرب من القديم، بل كان ينقله معه؛ ينقل أدواته وخبرته ونبرته المهنية إلى فضاء جديد يختلف في سرعته ومساحته وآلياته. وهناك، كان عليه أن يراهن على التأثير لا على الإيقاع، وعلى جودة المحتوى لا على مجرد التداول.
فالجرأة في التحول ليست أن تنتقل فقط، بل أن تتحمل نتائج هذا الانتقال؛ أن تتعلم لغات التفاعل، وأن تفهم جمهورًا مختلفًا، وأن تواجه تحديات النشر السريع، وضغوط "الترند". وفي كل ذلك، بقي العمير وفيًا لروح الصحافة الحقيقية: أن يكون الخبر واضحًا، وأن تكون المعالجة مسؤولة، وأن يكون الصوت مؤمنًا بأنه لا يكتب لنفسه بل للقارئ.
ومن هنا نفهم لماذا تحولت مسيرته إلى مصدر إلهام للآخرين؛ لأن عثمان لم ينجح لأنه محظوظ، بل لأنه عمل بصبر وتراكم، وشق الطريق الصعب خطوة خطوة، ولم يستسلم للمعوقات التي تواجه كل من يحاول إعادة تعريف هويته المهنية.
النجاح عنده أسلوب حياة
حين ننظر إلى مسار عثمان العمير، ندرك أن النجاح عنده ليس لحظة وصول، بل أسلوب حياة. ففي الاستمرارية لم يستكن، ولم يركن إلى ما حقق، وما زال، كما نراه، محفزًا في محيطه، يذكرنا بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة.
عثمان العمير نموذج يثبت أن الصحفي الحقيقي لا يخاف من التطور، بل يقوده من داخل خبرته. وهو دليل على أن لندن، بالرغم من بعدها، لم تكن سببًا في قطع الجذور، بل كانت منصة لتوسيع الدور والاتصال وإيصال الصوت العربي بصياغة حديثة دون تفريط بجوهر المهنة.
واليوم، حين تأخذنا المسافات إلى بلد الضباب، لا بد لنا أن نتذكر حرص عثمان على أن يجمعنا، نحن أصدقاء وزملاء المهنة، في بيته الجميل المطل على شارع الصحافة، شارع فليت.
وللعمير أقول: شكرًا لأنك كنت صديقًا وزميلاً يرفع المعنى قبل الشخص، وشكرًا لأنك جعلت من التحول تحديًا مهنيًا لا ترفًا، وشكرًا لأن نجاحك كان دائمًا طريقًا يقودنا نحن أيضًا إلى سؤال واحد: كيف نحافظ على الحقيقة عندما تتغير المنصات؟
عثمان العمير.. نجاح كان طريقه الذي لم يستكن عنه، وما زال يحفز فينا روح الصحافة الحقيقية.


