لم يكن التوقيع على اتفاق تبادل الأسرى بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والحوثيين مجرد تفصيل إنساني معزول، بل كان تذكيرًا جديدًا بأن الملف اليمني لم يغادر بعد ظلال اتفاق ستوكهولم، ذلك الاتفاق الذي انعقدت عليه رهانات واسعة في 2018، ثم لم يتحقق منه فعليًا إلا وقف التحرك العسكري لاستكمال تحرير الحديدة وموانئها الثلاث، وما تبع ذلك لاحقًا من انسحاب من خطوط تماس متشابكة بين قوات المقاومة الوطنية والحوثيين على تخوم المدينة.
كان ذلك القرار، منذ لحظته الأولى، محاطًا بكثير من اللبس والتوظيف السياسي. غير أنه، في جوهره، عكس قناعة دولية كانت حاضرة بقوة لدى بعض اللاعبين المؤثرين، وفي مقدمتهم لندن، بأن الحديدة هي مفتاح الحل السياسي في اليمن. لكن المدينة التي أريد لها أن تكون بوابة للحل، تحولت لاحقًا إلى واحدة من أعقد عقد الصراع، وإلى نقطة ارتكاز في مسار تدويل الأزمة اليمنية وتجاوزها حدودها المحلية والإقليمية.
اتفاق تبادل الأسرى الذي جرى توقيعه في العاصمة الأردنية عمان، برعاية أممية، كان يفترض أن يكون أبسط استحقاقات اتفاق ستوكهولم. ومع ذلك، ظل تنفيذه على الأرض، حتى كتابة هذا المقال، رهينًا للتعقيدات نفسها التي ابتلعت حزمة المعالجات الاقتصادية والإنسانية والأمنية التي رافقت ذلك الاتفاق، ثم ذهبت أدراج الرياح مع رهانات المبعوث الأممي السابق مارتن غريفيث.
قامت نظرية غريفيث للحل في اليمن على خلق حالة من التوازن العسكري والسياسي بين طرفي الصراع، بحسب التوصيف الأممي. لكن هذه النظرية، بدلًا من أن تفتح طريقًا إلى التسوية، عمقت حالة التخندق وكرست معادلة اللاسلم واللاحرب. وقد منحت هذه المعادلة الحوثيين مساحة أوسع للمساومة، ووقتًا لاستعادة الأنفاس، وطوق نجاة عسكريًا واقتصاديًا، قبل أن يتحول الشريط الساحلي المتبقي لهم على ممر الملاحة الدولي، في مرحلة لاحقة، إلى أداة لابتزاز المجتمع الدولي ومحاولة لعب دور إقليمي يتجاوز صورة الطرف المحلي الذي يختبئ خلف شعارات المظلومية.
منذ الانقلاب الحوثي في 21 أيلول (سبتمبر) 2014، مرت الأزمة اليمنية بأطوار عدة أعادت تشكيل جبهتي الحرب بعمق. ففي معسكر الحوثيين، تركز القرار السياسي في أيدي الجماعة وحدها بعد تصفية شريكها الرئيس السابق علي عبدالله صالح في كانون الأول (ديسمبر) 2017. كما تضاعف نفوذ الحرس الثوري داخل بنية الجماعة، بعد أن هيمن الجناح العسكري والعقائدي المرتبط بإيران مباشرة على مقاليد القرار.
يمكن ملاحظة هذا التحول بوضوح منذ ظهور الضابط في الحرس الثوري الإيراني حسن إيرلو في صنعاء بصفته سفيرًا لطهران، قبل موته الغامض. كانت معظم المعطيات تشير إلى أن دوره تجاوز كثيرًا الصفة الدبلوماسية المعلنة، وأن حضوره ساهم في ترجيح كفة الفريق الحوثي الذي يتبنى المصالح الاستراتيجية لما يسمى محور الممانعة، بقيادة المرشد الإيراني علي خامنئي، على حساب الفرضيات المتعلقة بموازنة مصالح الجماعة الداخلية مع مصالح حليفها الإقليمي.
في المقابل، مرت الشرعية اليمنية، بما تضمه من طيف واسع من الشركاء والفرقاء السياسيين، بمراحل متعددة من التحالفات والخصومات، السياسية منها والعسكرية. وقد فصلت بين هذه المراحل محطات من الصراع والحوارات المتقطعة، من اتفاق الرياض إلى المشاورات اليمنية التي أفضت إلى تشكيل مجلس القيادة الرئاسي المكون من ثمانية أعضاء، يمثلون مراكز الثقل العسكري والسياسي والجهوي داخل معسكر الشرعية.
كان تشكيل المجلس انتقالًا حادًا من مرحلة الرئيس عبدربه منصور هادي ودائرته الضيقة إلى أفق أوسع من التشارك السياسي. لكنه لم يكن التحول الأخير ولا الحاسم. فقد تلته تحولات أكثر دراماتيكية طالت موقع المجلس الانتقالي الجنوبي داخل معادلة الشرعية، وانعكست آثارها سريعًا على إعادة توزيع خارطة القوة في المناطق المحررة.
هذه التحولات المتسارعة في بنية الحوثيين، والتحولات الأعمق في مؤسسة الشرعية، لم تكن منفصلة عن تحول أكبر في طبيعة الملف اليمني نفسه. فقد بدأ هذا الملف، في مراحله الأولى، أزمة ذات طابع محلي مع تأثيرات إقليمية محدودة لكنها مؤثرة، واستمر كذلك حتى مشاورات الكويت، وربما إلى ما بعد ذلك بعام، قبل أن تفتح مغادرة علي عبدالله صالح المفاجئة مربع القرار والتأثير في صنعاء الباب أمام تعاظم النفوذ الإيراني داخل بنية الصراع.
أما الفترة الممتدة من 2018 إلى 2020، فيمكن النظر إليها باعتبارها ذروة التأثير الإقليمي في الملف اليمني. فقد بات ارتباط قرارات الحوثيين بأجندة المصالح الإيرانية أكثر وضوحًا، بل أكثر صراحة في بعض الأحيان، من دون أن يسعى الحوثيون إلى إنكار ذلك بجدية، وفي ظل تباه معلن من بعض قادة النظام الإيراني بهذا النفوذ. وفي الجهة المقابلة، واصل التحالف العربي لدعم الشرعية، بقيادة المملكة العربية السعودية، دعم الحكومة المعترف بها دوليًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا لمنع انهيارها أمام حالة التحشيد الطائفي التي اتبعتها الجماعة الحوثية في مواجهة طرف غير أيديولوجي يتوزع قراره بين أطراف وقوى ومكونات متعددة.
يمثل العام 2020 نقطة تحول بارزة في مسار الأزمة اليمنية. فقد بدا واضحًا، منذ اقتراب الديمقراطيين من عتبات البيت الأبيض، أن التفويض الأميركي لمعالجة الأزمة في إطارها الإقليمي يواجه اختبارًا صعبًا. ومع فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، دخل الملف اليمني طورًا جديدًا من التحولات، جعله ملفًا دوليًا يتجاوز بعديه المحلي والإقليمي.
ظهر هذا التحول بوضوح أكبر مع دخول الحوثيين ساحة المواجهة الدولية، في أعقاب تدويل الملف اليمني وتحويله، في مقاربة إدارة بايدن، إلى ورقة ضغط ومساومة في التعامل مع النظام الإيراني. وقد استدعت تلك المقاربة، في جانب منها، رؤية الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما للحل في المنطقة، ومبادرة وزير خارجيته جون كيري في آب (أغسطس) 2016، وهي المبادرة التي حاولت مبكرًا شرعنة آثار الانقلاب الحوثي والتطبيع معه بوصفه امتدادًا طبيعيًا للنفوذ الإيراني في المنطقة.
بعد أكثر من عقد على الحرب اليمنية، لم يعد اليمنيون وحدهم أصحاب القرار في الذهاب إلى اتفاق سلام أو المضي في خيار الحسم العسكري. ولم يعد الإقليم وحده الطرف المؤثر في مجريات هذا الملف الشائك ومآلاته. لقد أصبح اليمن عقدة أخرى من عقد التوتر الدولي، ونقطة ساخنة يصعب على الفرقاء الإقليميين والدوليين إطفاؤها، كما يصعب عليهم تركها مشتعلة.

