: آخر تحديث
بيروت أمام اختبار الثقة والرقابة

وزير الاقتصاد اللبناني: لا عودة إلى شوائب الماضي… والثقة السعودية تبدأ من ضبط المعابر

4
4
5

إيلاف من بيروتفتح قرار استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية نافذة اقتصادية وسياسية طال انتظارها في بيروت، لكنه وضع الدولة اللبنانية، في الوقت نفسه، أمام اختبار شديد الحساسية: ضبط المعابر، مراقبة التصدير وإعادة التصدير، وإثبات أن ما يسميه المسؤولون «شوائب الماضي» لن يعود بأختام جديدة وصناديق قديمة.

وقال وزير الاقتصاد اللبناني، في حديث إلى قناة «العربية الحدث»، إن القرار جاء بعد مسار تفاوضي بين لبنان والسعودية، قدّمت خلاله الحكومة اللبنانية ضمانات أمنية وجمركية ولوجستية للتعامل مع هواجس المملكة، التي وصفها بأنها «محقّة ومهمة».

وأوضح الوزير أن القرار الذي قال إنه اتُّخذ أمس لا يشكّل نهاية المسار، بل بدايته، مشيراً إلى أن الخطوات اللبنانية كانت كافية لمنح «إشارة ثقة»، لكنها لا تعفي الدولة من مسؤولية المتابعة اليومية. وشدد على أن لبنان «لا يتوقف هنا أبداً»، وأن هناك تعهداً بمراقبة دائمة لضمان عدم تكرار الأخطاء السابقة.

وربط الوزير الخطوة بما وصفه بـ«العهد الجديد» و«الحكومة الجديدة»، معتبراً أن المرحلة الحالية تحمل تصميماً على إعادة العلاقات السياسية والاقتصادية إلى طبيعتها، عبر تصحيح اختلالات الماضي ومراقبة الممارسات المقبلة.

رسالة سعودية ودلالات سياسية

ورداً على سؤال عما إذا كان القرار يعكس حرص السعودية على دعم لبنان، قال الوزير إن الأمر «لا يحتاج إلى نقاش»، مضيفاً أن «قلب المملكة عند لبنان وقلب لبنان عند المملكة دائماً»، في عبارة سياسية تحمل من الودّ أكثر مما تحتمل من الأرقام، لكنها تعبّر عن المناخ الذي تريد بيروت إظهاره في علاقتها بالرياض.

واعتبر الوزير أن القرار يعكس ثقة بالحكومة وبالمسار السياسي الجديد، الذي قال إنه يسعى منذ سنة إلى سنة ونصف إلى تغيير موقع لبنان السياسي والاستراتيجي، وإعادته إلى «مداه الطبيعي»، الذي حدده بالخليج العربي.

وأشار إلى أن توقيت القرار يكتسب أهمية خاصة في ظل الأزمات المتراكمة التي يعيشها لبنان منذ عام 2019، من الانهيار المالي والفراغ السياسي إلى انفجار مرفأ بيروت والحروب والتوترات التي عمّقت هشاشة الاقتصاد.

اقتصاد مأزوم يبحث عن متنفس

وتحدث الوزير عن ركود اقتصادي حاد في عام 2026، قائلاً إن أثره خلال الأسابيع الثمانية الأخيرة يوازي، بحسب تقديره، نحو 7% من الناتج المحلي. وهو رقم كبير، يحتاج إلى قراءة تقنية دقيقة، لكنه يعكس حجم الضغط الذي تحاول الحكومة تصويره بوصفه أزمة تتجاوز حدود الاقتصاد التقليدي.

وأضاف أن لبنان يواجه في الوقت نفسه تضخماً مرتفعاً بلغ 20%، معتبراً أن الجمع بين الانكماش وارتفاع الأسعار يضع البلاد أمام وضع شديد الصعوبة.

ورأى أن استئناف الصادرات إلى السعودية يمكن أن يفتح فرصاً اقتصادية مهمة، وأن يساعد لبنان على امتصاص جزء من الأزمة التي يمر بها. فالدولارات، كما يعرف اللبنانيون جيداً، لم تعد تفصيلاً نقدياً، بل صارت إحدى أدوات البقاء اليومي للاقتصاد.

من الزراعة إلى التكنولوجيا

وبشأن القطاعات المستفيدة، قال وزير الاقتصاد إن العلاقة الاقتصادية بين لبنان والسعودية بدأت تاريخياً من القطاع الزراعي، مشيراً إلى أن الزراعة تبقى عنصراً أساسياً في الصادرات اللبنانية، لكنها ليست وحدها المعنية بالقرار.

وأضاف أن القطاع الصناعي حاضر أيضاً، ولا سيما المنتجات ذات القيمة المضافة، إلى جانب الأثاث والتصميم والحرف.

وتوقف الوزير عند قطاعات جديدة ظهرت خلال السنوات الخمس أو الست الأخيرة، قائلاً إن لبنان لم تتح له فرصة كافية لعرضها في السوق السعودية. وذكر في هذا السياق التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والمعدات التقنية، والبرمجيات.

وهنا تبدو الطموحات أوسع من الصادرات التقليدية. فالزراعة والصناعة والحرف تستطيع العودة بسرعة نسبية، أما التكنولوجيا اللبنانية فتحتاج إلى ما هو أكثر من الحماسة الرسمية: تحتاج إلى أسواق، وتمويل، وثقة، وبيئة مستقرة لا تُطفئ الكهرباء عن الفكرة قبل أن تصل إلى المستثمر.

التعافي يبدأ من السياسة قبل الاقتصاد

وعند سؤاله عن أثر القرار في تعافي الاقتصاد اللبناني، شدد الوزير على ضرورة التعامل بصراحة مع الوضع السياسي والأمني. وقال إن إنهاء الحرب والتوترات الأمنية هو الشرط الأول لأي ازدهار أو نمو أو تعافٍ.

وربط الوزير النهوض الاقتصادي بإعادة تثبيت سيادة الدولة، واحتكار السلاح، وقرار الحرب والسلم، والسيطرة على المرافق والمعابر. وهي شروط لا تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها في لبنان تكاد تكون صلب الاقتصاد نفسه.

واعتبر أن استئناف الصادرات إلى السعودية خطوة مهمة، لكنها لن تتحول إلى مسار تعافٍ حقيقي إلا إذا جاءت ضمن سياق أوسع يشمل إنهاء الحرب، واستعادة الاستقرار، وتعزيز السيادة، وإعادة وصل لبنان بعمقه العربي عبر علاقات طبيعية مع المملكة ودول الخليج.

وقال إن لبنان، في هذه الحالة، يستطيع أن يتعافى ويعود إلى الازدهار الذي عرفه اللبنانيون.

اجتماع حكومي لتسريع التنفيذ

أما بشأن الإجراءات العملية، فتوقع الوزير أن يبدأ التنفيذ في أسرع وقت ممكن، مشيراً إلى وجود حماسة لدى المصدرين والحكومة للإفادة من القرار سريعاً.

وكشف أنه تقرر عقد اجتماع في السرايا الحكومية، بمشاركة رئيس الوزراء والوزراء المعنيين وممثلين عن القطاع الخاص والمصدرين، لبحث الخطوات التقنية واللوجستية المرتبطة بالنقل والجمارك وشركات الشحن البرية والبحرية.

وشدد الوزير على أن لبنان يحتاج اليوم إلى الدولارات وإلى توسيع صادراته، واصفاً القرار بأنه «نافذة مهمة» فُتحت أمام البلاد.

وختم بالتعبير عن أمله في أن تعود حركة التصدير خلال أيام، لا خلال أسابيع أو أشهر. غير أن الاختبار الحقيقي لن يكون في سرعة انطلاق الشاحنات، بل في قدرة الدولة اللبنانية على أن تثبت أن هذه المرة مختلفة؛ وأن الثقة، بعدما فُتحت لها النافذة، لن تُترك مرة أخرى للهواء والارتجال.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في اقتصاد