: آخر تحديث

سيصمت الورق وتبقى الصحافة تتحدث

2
4
2

الخطأ الأكبر هو الخلط بين الصحيفة والصحافة.. فالصحيفة وسيط، أما الصحافة فهي منظومة قيم تقوم على المصداقية، والتحقق، والاستقلالية، وخدمة المجتمع.. هذه القيم لا ترتبط بنوع الورق، ولا بحجم الشاشة، بل بالمؤسسة التي تؤمن بها، وبالعقول التي تصنع المحتوى..

لم يكن إعلان مؤسسة اليمامة الصحفية انتقال صحيفتي الرياض واليمامة إلى النشر الرقمي مجرد قرار إداري، بل محطة تاريخية تختزل تحولات أوسع شهدتها المملكة، وتعكس كيف تتغير أدوات الاتصال بينما تبقى الرسالة. فالصحافة، في جوهرها، ليست ورقًا ولا مطابع، وإنما مسؤولية مهنية ورسالة وطنية تتجدد مع كل عصر.

بالنسبة لي، لم يكن الخبر عابرًا. لقد استحضر رحلة امتدت لأكثر من ثمانية عشر عامًا، منذ أن استكتبني عميد الصحافة السعودية وعرّابها الأستاذ تركي السديري -رحمه الله- في زاوية رأي ثابتة بجريدة الرياض. هناك لم تكن تنمو مقالاتي فحسب، بل كانت تتشكل تجربتي الفكرية، وتتطور رؤيتي الأكاديمية، ويكبر قلمي مع سنوات البحث والدراسة، حتى أصبحت باحثة متخصصة في الإعلام الرقمي ومستشارة في الاتصال الاستراتيجي. كانت الرياض أكثر من صحيفة؛ كانت مدرسة فكرية، ومنبرًا منحني شرف المشاركة في صناعة الرأي العام، ومرافقة التحولات التي عاشتها المملكة خلال العقود الأخيرة.

وعبر صفحاتها، لم أوثق أفكاري فحسب، بل واكبت بوصفي كاتبة سياسية وفكرية مراحل مفصلية من تاريخ الدولة السعودية الحديثة. شهدت عهودًا مختلفة، لكل منها أولوياته ومنجزاته، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وما يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من مشروع تحول وطني غير مسبوق في إطار رؤية السعودية 2030. كانت الرياض شاهدة على تلك التحولات، توثقها، وتناقشها، وتسهم في تشكيل الوعي الوطني حولها.

ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أن تطور الصحيفة كان انعكاسًا لتطور المجتمع السعودي نفسه. فقد انتقل المجتمع من مرحلة كانت فيها الصحيفة الورقية المصدر الرئيس للأخبار والتحليلات، إلى مجتمع رقمي متصل بالعالم لحظة بلحظة، يتلقى المعرفة عبر المنصات الذكية، ويشارك في صناعة المحتوى، ويعيد تشكيل المشهد الإعلامي بأدوات جديدة. لقد تغيّر الجمهور، وتغيرت عاداته، وتغيرت بيئة الاتصال، وكان من الطبيعي أن تتغير المؤسسات الإعلامية أيضًا.

ومن هنا، فإن قراءة قرار إيقاف النسخة الورقية ينبغي ألا تكون قراءة عاطفية فقط، بل قراءة استراتيجية تستند إلى فهم عميق للتحولات العالمية في صناعة الإعلام. فالصحافة منذ سنوات تواجه تحديات اقتصادية وتقنية وسلوكية متسارعة. لم تعد المنافسة بين صحيفة وأخرى، بل بين المؤسسات الإعلامية كافة وبين اقتصاد الانتباه الذي تصنعه المنصات الرقمية والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي.

وبوصفي باحثة في الإعلام الرقمي، كنت أرى أن هذا التحول ليس خيارًا يمكن تأجيله، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر. فالجمهور اليوم لا ينتظر الخبر حتى صباح اليوم التالي، بل يبحث عنه في لحظة وقوعه، ويريد محتوى تفاعليًا، متعدد الوسائط، وسهل الوصول. أما النسخة الورقية، فعلى الرغم من قيمتها الرمزية والثقافية، لم تعد قادرة وحدها على مواكبة هذا الإيقاع المتسارع.

لكن الخطأ الأكبر هو الخلط بين الصحيفة والصحافة. فالصحيفة وسيط، أما الصحافة فهي منظومة قيم تقوم على المصداقية، والتحقق، والاستقلالية، وخدمة المجتمع. هذه القيم لا ترتبط بنوع الورق، ولا بحجم الشاشة، بل بالمؤسسة التي تؤمن بها، وبالعقول التي تصنع المحتوى.

ومن منظور الاتصال الاستراتيجي، فإن نجاح المؤسسات الإعلامية في المستقبل لن يقاس بقدرتها على المحافظة على الوسائل القديمة، بل بقدرتها على إدارة التحول الرقمي بوعي وشجاعة. فالتحول الحقيقي لا يعني نقل المقال من الورق إلى الموقع الإلكتروني، بل إعادة تصميم تجربة القارئ، والاستثمار في المحتوى النوعي، وتحليل البيانات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، وبناء علاقة أكثر عمقًا مع الجمهور.

وفي المقابل، فإن المستقبل لن يكون للأسرع في نشر الخبر، بل للأكثر موثوقية في تفسيره. ففي زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، وتنتشر فيه الأخبار المضللة، ستزداد قيمة المؤسسات الصحفية العريقة التي راكمت عبر عقود رصيدًا من الثقة والمهنية. وهذه هي الثروة الحقيقية التي تمتلكها الرياض واليمامة، والتي ينبغي أن تشكل أساس حضورهما في البيئة الرقمية.

سيبقى للورق دفؤه، ولرائحة الحبر مكانها في الذاكرة، ولتقليب الصفحات طقسٌ لا تنساها أجيال كاملة. وستبقى الأكشاك، وأعداد الجمعة، والمقالات التي احتفظنا بها، جزءًا من تاريخنا الثقافي والوجداني. لكن الحنين لا يصنع المستقبل، وإنما يصنعه أولئك الذين يدركون أن الرسائل الكبرى لا تُقاس بشكل الوعاء الذي يحملها.

لقد شهدت عبر صفحات الرياض مسيرة من تاريخ السياسة السعودية، والتحولات والتغييرات في المشهد الفكري للمجتمع، وتطور وتغير أدوات الإعلام، ولذلك أؤمن اليوم أكثر من أي وقت مضى أن المؤسسات العريقة لا يختزلها الورق، بل يخلدها أثرها. فالصحافة التي رافقت مسيرة الوطن وأسهمت في تشكيل وعي المجتمع قادرة على مواصلة رسالتها مهما تبدلت الوسائل، لأن الكلمة الصادقة لا تموت.

وداعًا للورق.. نعم، أما الصحافة، فلا وداع لها. إنها لا تنتهي مع آخر طبعة، بل تبدأ فصلًا جديدًا من تاريخها؛ أكثر انتشارًا، وأكثر تأثيرًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى الإنسان أينما كان. فالصحافة الحقيقية لا تموت، وإنما تتطور، كما تتطور الأمم التي تؤمن بأن المستقبل يُكتب دائمًا بأدوات جديدة، لكن بالقيم نفسها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد