: آخر تحديث

اتفاقية مكة... من إدارة الأزمات إلى صناعة الردع

1
1
1

«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» التي وقعت في 7 أغسطس (آب) 2026، بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، تمثل تطوراً مهماً في مسار العلاقات الاستراتيجية بين الدول الثلاث، ليس فقط لأنَّها تؤسس لإطار دفاعي مشترك طويل الأمد، بل لأنَّها تأتي في مرحلة حساسة تشهد فيها بيئة الأمن الإقليمي تحولات عميقة ومتسارعة، وتتزايد فيها أهمية بناء شراكات أكثر قدرة على مواجهة التحديات وردعها. وعليه، فإنَّ أهمية اتفاقية مكة لا تقف عند تفاصيلها العسكرية، بل تمتد إلى تحولات أوسع قد ترسم جانباً من مشهد الأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة

أول هذه التحولات، برأيي، هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الردع، وهو ما تكشفه هذه الاتفاقية بوضوح. فالحروب التي شهدتها منطقة الخليج، ابتداءً من الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، مروراً بحرب الخليج الثانية (1990-1991)، ثم حرب العراق عام 2003، وصولاً إلى الأزمات المتلاحقة والهجمات المتكررة على منشآت الطاقة، رغم اختلاف طبيعتها، فإنها تشترك في نمط أمني متكرر، هو التعامل مع الأزمات بعد وقوعها. فأمن الخليج كان في الغالب يتحرك بعد وقوع التهديد لاحتوائه وتقليل تداعياته، أكثر من بناء معادلات ردع تمنع حدوثه من الأساس. وهنا، برأيي، تبرز قيمة وأهمية الدفاع المشترك في اتفاق مكة، الذي نص على أن «أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على جميع الدول الأطراف». فعندما يصبح الاعتداء على دولة واحدة اعتداءً يمس الدول الثلاث، تتغير حسابات أي طرف يفكر في التصعيد، لأنَّ تكلفة المواجهة تصبح أكبر وأوسع. وهذا هو جوهر الردع: أن يكون وضوح الالتزام وتكامل القدرات كافيين لمنع التهديد قبل وقوعه، لا الاكتفاء بالتعامل معه بعد حدوثه.

أما التحول الثاني، فيتعلق باتساع دائرة الأمن الإقليمي. فالاتفاقية تجمع ثلاث دول تنتمي إلى دوائر جيوسياسية مختلفة ومتكاملة. فالسعودية تقع في قلب الخليج والعالم العربي، وتشكل بحكم موقعها وثقلها السياسي والاقتصادي مركزاً رئيسياً في معادلة الأمن الإقليمي، كما ترتبط مباشرة بأمن الخليج والبحر الأحمر وطرق الطاقة والتجارة، وهو ما يجعل أمنها متصلاً بطيف واسع من التحديات الإقليمية. وتضيف تركيا إلى هذه الدائرة ثقلاً يمتد نحو شرق المتوسط والبحر الأسود، فيما تمثل باكستان امتداداً استراتيجياً وعسكرياً مهماً نحو جنوب آسيا. وبذلك تصبح السعودية في قلب مساحة جيوسياسية واسعة تربط بين ثلاث مناطق شديدة الأهمية للأمن والتجارة والطاقة. وهذا يمنح الاتفاقية بعداً يتجاوز التعاون بين الدول الثلاث، ويفتح المجال لتنسيق أوسع في الدفاع والتدريب والصناعات العسكرية. كما يعكس توجهاً نحو تنويع الشراكات الأمنية وتوسيع الخيارات. وتبقى قيمة الاتفاقية الحقيقية في قدرتها على تحويل التفاهم السياسي إلى تعاون مستمر وقدرات مشتركة على الأرض.

أما التحول الثالث، فهو أن تنويع الشراكات لا يعني استبدال التحالفات القائمة. وهذا مهم بشكل خاص بالنسبة للسعودية، التي ترتبط بعلاقة استراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة تمتد لأكثر من ثمانية عقود، وتشكل الشراكة الدفاعية والأمنية أحد أهم أركانها، وقد تعززت أخيراً بتوقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجية بين البلدين. وبالتالي لا تأتي اتفاقية مكة بديلاً عن هذه العلاقة، بل تضيف إليها مساحة جديدة من التعاون وتوسيع الخيارات. ويؤكد ذلك ترحيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالاتفاقية ووصفه لها بأنها خطوة كبيرة وجريئة ومهمة، بما يعكس أن بناء قدرات إقليمية أكبر يمكن أن يسير بالتوازي مع استمرار الشراكات الدولية القائمة، لا على حسابها.

في النهاية، قد لا تكون أهمية اتفاقية مكة في حجم القوة التي تجمعها الدول الثلاث، بقدر ما هي في الرسالة التي تبعث بها في أن أمن المنطقة لم يعد مسألة انتظار لما يفعله الآخرون، بل مسؤولية تبدأ من بناء القدرة على الردع، وتتسع بالشراكات، وتستند إلى شبكة من العلاقات الدولية الراسخة. وربما يكون هذا هو التحول الأهم؛ أن تنتقل المنطقة تدريجياً من إدارة أمنها في أوقات الأزمات، إلى المشاركة في صناعة البيئة التي تمنع تلك الأزمات من الأساس.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد