يبدو أن مفاهيم وتوصيفات الاستثمار كثيرة ومتنوعة بشكل يصعب حصرها أو تصنيفها في أشكال وقوالب محددة وثابتة، فهناك الاستثمار السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري ولكن الاستثمار الاقتصادي يكاد يكون الأكثر تداولاً وشهرة بين كل تلك الأنواع والأشكال الاستثمارية. من بين تلك الحزمة الطويلة والكبيرة من حقيقة وواقع الاستثمار، يبرز ويتمظهر شكل ونوع مختلف ومثمر وهو الاستثمار في الإنسان والذي تحول إلى رهان كبير تسعى إلى كسبه وتحقيقه الأمم والشعوب والمجتمعات، فلكل استثمار مهما كان، مخاطره ومشكلاته وخسائره، إلا الاستثمار في الإنسان، فهو المشروع الحقيقي الذي لا يُمكن قياس عوائده الإيجابية وأرباحه القياسية، كيف لا وهو مشروع الابتكار والاستثمار في الإنسان الذي لا يُضاهيه مشروع أو يُدانيه حلم.
والمملكة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -يرحمه الله-، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله-، وهي تولي جلّ اهتمامها وعنايتها الفائقة بالإنسان في هذا الوطن العزيز، بل وتضعه في صدارة أولوياتها والمستهدف الأول والأهم لكل مشاريعها واستراتيجياتها، والأمثلة على حرص وتبني المملكة للاستثمار النهضوي والتطوير التنموي للأجيال السعودية عبر كل العقود، كثيرة جداً ولا يمكن حصرها. قطاعات ومجالات وملفات وطنية كبرى كالتعليم والصحة والعمل والرياضة والثقافة وغيرها، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، حجم الاهتمام الكبير بكل الأجيال السعودية لتُحقق طموحاتها وأحلامها.
نعم، صناعة الأمم والمجتمعات تعتمد في الأساس على ثرواتها ومواردها الاقتصادية والطبيعية بمختلف أشكالها ومستوياتها، لأنها مصادر وروافد التنمية والتطور، ولكن الثروات والكنوز الحقيقية التي لا تنضب أو تنفد تتمثل في الاستثمار الحقيقي في الإنسان.
وخلال هذا العهد الزاهر الذي يقوده بكل خبرة وحكمة الملك سلمان بن عبدالعزيز وذكاء وحماس ولي العهد محمد بن سلمان، نعيش تحولاً وطنياً مذهلاً أعاد صياغة ورسم هذا الوطن الكبير في خارطة المشهد العالمي، ولعل أبرز ملامح ووقود هذا التحول الوطني الرائع هو شباب هذا الوطن الذي يعمل في كل الحقول والمجالات والمهن والوظائف بكل جد وإخلاص ونجاح. لقد أنفقت المملكة الكثير من أجل الاستثمار الحقيقي في الإنسان على هذه الأرض الرائعة، ليُصبح الشاب السعودي مؤهلاً لممارسة كل الأنشطة والمهام بكل حرفية ومهارة. لقد كسب الوطن الرهان، حينما استثمر بكل ذكاء وقوة في الأجيال السعودية التي أصبحت المستقبل الباهر لهذا الوطن.
نعم؛ إن الاستثمارات الاقتصادية تكاد تُلامس كل ملامح وتفاصيل حياتنا في هذا الوطن العزيز وهي تُقاس عادة بالأرقام والعائدات والأرباح، وهي بلا شك قياسات ومعايير فاعلة وضرورية، ولكن الاستثمار في الإنسان هو المكسب الحقيقي والاستحقاق الأهم في مسيرة الأمم والشعوب، بل هو سر النجاح والتميز والذي جعل وطننا الملهم في صدارة المجد وقمة الازدهار.

